ـــــــــــــــــــــــــــــ
في هذا كثيرةٌ. ولأنَّ الحَيَاءَ عُقْلَةٌ على [1] لِسَانِها، يَمْنَعُها النُّطْقَ بالإِذْنِ، ولا تَسْتَحيي مِن إبائِها وامْتِناعِها، فإذا سَكَتَتْ غَلَب على الظنِّ أنَّه لرِضاها [2] ، فاكْتُفِيَ به. وما ذَكَرُوه يُفْضِي إلى أن لا يكونَ صمْتُها إذْنًا في حَقِّ الأبِ أيضًا؛ لأنَّهم جَعَلُوا وُجُودَه كعَدَمِه، فيَكونُ إذًا رَدًّا على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالكُلِّيَّةِ، واطِّرَاحًا للأخْبارِ الصَّرِيحةِ الجَلِيَّةِ، وخرْقًا لإِجْماعِ الأُمَّةِ.
فصل: فإن أذِنَتْ بالنُّطْقِ فهو أبْلَغُ وأتَمُّ، وإن ضَحِكَتْ أو بَكَت فهو بِمَنْزِلَةِ سُكُوتِها. وقال أبو يوسف، ومحمدٌ: إن بَكَت فليس بإذْنٍ؛ لأنَّه يَدُلُّ على الكَراهَةِ، وليس بصَمْتٍ فيَدْخُلَ في عُمُومِ الحديثِ. ولَنا، ما روَى أبو بكرٍ [3] بإسْنادِه عن أبي هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «تُسْتَأْمَرُ اليَتِيمَةُ، فَانْ بَكَتْ أو سَكَتَتْ فَهُوَ رِضَاهَا، وإنْ أبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيهَا» . ولأنَّها غيرُ ناطِقَةٍ بالامْتِناعِ مع سَماعِها للاسْتِئْذانِ، فكان إذْنًا منها، كالصُّماتِ أو [4] الضَّحِكِ، والبُكاءُ يَدُلُّ على فَرْطِ الحَيَاءِ، لا على الكَراهَةِ، ولو كَرِهَتْ لامْتَنَعَتْ، فإنَّها لا تَسْتَحْيي مِن الامْتِنَاعِ،
(1) سقط من: الأصل.
(2) في م: «كرضاها» .
(3) وأخرجه أبو داود، في: باب في الاستئمار، من كتاب النكاح، وقال أبو داود: وليس «بكت» بمحفوظ، وهو وهم في الحديث، الوهم من ابن إدريس أو من محمد بن العلاء. سنن أبي داود 1/ 483. وانظر ما تقدم في صفحة 143.
(4) في م: «و» .