ـــــــــــــــــــــــــــــ
له: إنّ مالِكًا يقولُ: إذا باعَ الطّعَامَ ولم يَعْلَمِ المُشْتَرِى، فإنِ اخْتَارَ أَنْ يَرُدَّه رَدَّهُ. قال: هذا تَغْلِيطٌ شَدِيدٌ، ولكنْ لا يُعْجِبُنِى إذا عَرَفَ كَيْلَه، إلَّا أَنْ يُخْبِرَه، فإنْ باعَه، فهو جائِزٌ عليه، وقد أساءَ. ولم يَرَ أبو حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىُّ بذلك بأْسًا؛ لأنَّه إذا جازَ البَيْعُ بيع جَهْلِهما بمقْدارِه فمع العِلْمِ مِن أحَدِهما أوْلَى. ووَجْهُ الأوَّلِ ما رَوَى الأَوْزَاعِىُّ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَن عَرَفَ مَبْلَغَ شَئٍ فلا يَبعْه [1] جُزافًا حتَّى يُبَيِّنهُ» [2] . قال القاضى: وقد رُوِى عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه نَهَى عن بَيْعِ الطعام مُجازَفَةً، وهو يَعْلَمُ كَيْلَه (2) . وأيضًا الإِجْماعُ الذى نَقَلَه مالِكٌ. ولأنَّ البائِعَ لا يَعْدِلُ إلى البَيْعِ جُزَافًا مع عِلْمِه بقَدْرِ الكَيْلِ، إلَّا للتَّغْرِيرِ ظَاهِرًا، وقد قال عليه السّلامُ: «مَنْ غَشَّنَا فلَيْسَ مِنَّا» [3] . فصارَ كتَدْلِيسِ العَيْبِ [4] . فإنْ باعَ ما عَلِمَ كَيْلَه صُبْرَةً، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ في رِوايَةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ، أنَّ البَيْعَ صَحِيحٌ لازِمٌ. وهو قولُ أبى حَنِيفَةَ، والشافِعِىِّ؛ لأنَّ المَبِيعَ مَعْلُومٌ
(1) في الأصل، م: «يبيعه» .
(2) أخرجه عبد الرزاق، في: باب المجازفة، من كتاب البيوع. المصنف 8/ 131.
(3) أخرجه مسلم، في: باب قول النبى -صلى اللَّه عليه وسلم-: «من غشنا فليس منا» ، من كتاب الإيمان. صحيح مسلم 1/ 99. وأبو داود، في: باب في النهى عن الغش، من كتاب البيوع. سنن أبى داود 2/ 244. والترمذى، في: باب ما جاء في كراهية الغش في البيوع، من أبواب البيوع. عارضة الأحوذى 6/ 55. وابن ماجه، في: باب النهى عن الغش، من كتاب التجارات. سنن ابن ماجه 2/ 749. والدارمى، في: باب في النهى عن الغش، من كتاب البيوع. سنن الدارمى 2/ 248. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 50، 242، 417، 3/ 466، 4/ 45.
(4) في الأصل، م: «البيع» .