قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ) ... إِلَخْ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ قَبْلَهُ: (فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ) ، وَالْمَعْنَى أَنَّ إِيمَانَهُمْ كَانَ قَلِيلًا حَالَ كَوْنِهِمْ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ نَبِيًّا وَكِتَابًا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ، وَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ قَلِيلًا أَوْ أَقَلَّ بَعْدَمَا جَاءَ مَا كَانُوا يَنْتَظِرُونَ وَعَرَفُوا أَنَّهُ الْحَقُّ ثُمَّ كَفَرُوا؟ فَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَيَصِحُّ أَيْضًا هَذَا الِاتِّصَالُ الَّذِي ذَكَرَهُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي فِي تَفْسِيرِ (فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ) ، وَالْكِتَابُ هُنَا الْقُرْآنُ، نَكَّرَهُ لِلتَّفْخِيمِ، وَقَوْلُهُ: (مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لَهُ فِي التَّوْحِيدِ وَأُصُولِ الدِّينِ وَمَقَاصِدِهِ، وَالِاسْتِفْتَاحُ فِي قَوْلِهِ: (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) مَعْنَاهُ طَلَبُ الْفَتْحِ وَهُوَ الْفَصْلُ فِي الشَّيْءِ وَالْحُكْمِ، وَيُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى النَّصْرِ؛ لِأَنَّهُ فَصْلٌ بَيْنَ الْمُتَحَارِبِينَ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ تَسْتَفْتِحُ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ بِالنَّبِيِّ الْمُنْتَظَرِ، يَقُولُونَ: إِنَّهُ سَيَظْهَرُ فَيَنْصُرُ كِتَابُهُ التَّوْحِيدَ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، وَيَخْذُلُ الْوَثَنِيَّةَ الَّتِي تَنْتَحِلُونَهَا وَيُبْطِلُهَا، فَيَكُونُ مُؤَيِّدًا لِدِينِ مُوسَى.