بَيَّنَ اللهُ - تَعَالَى - هَذِهِ السُّنَّةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ بِقَوْلِهِ: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينِ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينِ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (57: 16) وَلِهَذَا كَانَ - تَعَالَى - يُرْسِلُ الرُّسُلَ بَعْضُهُمْ فِي أَثَرِ بَعْضٍ حَتَّى لَا يَطُولَ أَمَدُ الْإِنْذَارِ عَلَى النَّاسِ فَيَفْسُقُوا وَيَضِلُّوا ، وَلَا يَعْرِفُ التَّارِيخُ شَعْبًا جَاءَتْ فِيهِ الرُّسُلُ تَتْرَى كَشَعْبِ إِسْرَائِيلَ ؛ لِذَلِكَ كَانُوا بِمَعْزِلٍ عَنْ صِحَّةِ الْعُذْرِ بِطُولِ الْأَمَدِ عَلَى الْإِنْذَارِ ، وَفِي نَاحِيَةٍ عَمَّا يُرْجَى قَبُولُهُ مِنَ التَّعَلُّلِ وَالِاعْتِذَارِ ؛ لِهَذَا قَالَ - تَعَالَى - بَعْدَ كُلِّ مَا تَقَدَّمَ: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ) فَلَمْ يَمُرَّ زَمَنٌ بَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى آخِرِ أَنْبِيَائِهِمْ إِلَّا وَكَانَ فِيهِ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ، أَوْ أَنْبِيَاءُ مُتَعَدِّدُونَ يَأْمُرُونَ وَيَنْهَوْنَ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: اعْلَمُوا يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ لِطُولِ الْأَمَدِ عَلَى النُّبُوَّةِ وَبَعْدَ الْعَهْدِ بِالرُّسُلِ يَدٌ فِي تَغْيِيرِ الْأَوْضَاعِ وَنِسْيَانِ الشَّرَائِعِ ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ وَجْهٌ لِاعْتِذَارِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَتَنَاوَلُكُمْ ، فَإِنَّ الرُّسُلَ قَدْ جَاءَتْكُمْ تَتْرَى ثُمَّ كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ مَعَهُمْ مَا كَانَ .