وقوله تعالى: {ويكفرون بما وراءه} جيء بالمضارع محاكاة لقولهم {نؤمن بما أنزل علينا} وتصريح بما لوحوا إليه ورد عليهم أي يدومون على الإيمان بما أنزل عليهم ويكفرون كذلك بما وراءه فهم يرون أن الإيمان به مقتض للكفر بغيره على أن للمضارع تأثيراً فِي معنى التعجب والغرابة.
وفي قرنه بواو الحال إشعار بالرد عليهم وزاد ذلك بقوله {وهو الحق مصدقاً لما معهم} .
والوراء فِي الأصل اسم مكان للجهة التي خلف الشيء وهو عريق فِي الظرفية وليس أصله مصدراً.
جعل الوراء مجازاً أو كناية عن الغائب لأنه لا يبصره الشخص واستعمل أيضاً مجازاً عن المجاوز لأن الشيء إذا كان أمام السائر فهو صائر إليه فإذا صاروا وراءه فقد تجاوزه وتباعد عنه قال النابغة:
وليس وراء الله للمرء مطلب...
واستعمل أيضاً بمعنى الطلب والتعقب تقول ورائي فلان بمعنى يتعقبني ويطلبني ومنه قول الله تعالى: {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً} [الكهف: 79] وقول لبيد:
أليس ورائي أن تراخت منيتي...
لزوم العصا تحني عليها الأصابع
فمن ثم زعم بعضهم أن الوراء يطلق على الخلف والأمام إطلاق اسم الضدين واحتج ببيت لبيد وبقرآن وكان أمامهم ملك وقد علمت أنه لا حجة فيه ولذلك أنكر الآمدي فِي"الموازنة"كونه ضداً.
فالمراد بما وراءه فِي الآية بما عداه وتجاوزه أي بغيره والمقصود بهذا الغير هنا خصوص القرآن بقرينة السياق لتقدم قوله: {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله} ولتعقيبه بقوله: {وهو الحق مصدقاً} .
وجملة {وهو الحق} حالية واللام فِي (الحق) للجنس والمقصود اشتهار المسند إليه بهذا الجنس أي وهو المشتهر بالحقية المسلم ذلك له على حد قول حسان:
وإن سنام المجد من آل هشام...
بنو بنت مخزوم ووالدك العبد