فبالصبر يسهل على العبد القيام بالطاعات، وأداء حقوق الله، وأداء حقوق عباده، وترك ما تنهاه نفسه من المحرمات، وبذلك يهون عليه الصبر عن جميع الشهوات، وجميع الشدائد في الأقدار والأوامر.
والصبر على ثلاث درجات:
الدرجة الأولى: الصبر عن المعصية بمطالعة الوعيد، إبقاء على الإيمان، وحذراً من الحرام، وأحسن منها الصبر عن المعصية حياءً.
فالإبقاء على الإيمان يبعث على ترك المعصية؛ لأنها لا بدَّ أن تنقصه أو تذهب بهجته، أو تطفئ نوره، أو تضعف قوته.
وأما الحذر من الحرام فهو الصبر عن كثير من المباح حذراً من أن يسوقه إلى الحرام والشبهات.
والحياء يبعث عليه قوة المعرفة بالله، ومشاهدة معاني الأسماء والصفات.
وأحسن من ذلك أن يكون الباعث عليه وازع الحب، فيترك معصيته محبة له، وصاحب الحياء أحسن حالاً من أهل الخوف؛ لأن في الحياء من الله ما يدل على مراقبته، وحضور القلب معه، ولأن فيه من تعظيم الله وإجلاله سبحانه ما ليس في وازع الخوف.
فَمَنْ وازعه الخوف قلبه حاضر مع العقوبة، ومن وازعه الحياء قلبه حاضر مع الله، والخائف مراع جانب نفسه وحمايتها، والمستحي مراع جانب ربه، وملاحظة عظمته، وكلا المقامين من مقامات أهل الإيمان.
الدرجة الثانية: الصبر على طاعة الله، بالمحافظة عليها دوماً، ورعايتها إخلاصاً، وتحسينها علماً وعملاً.
وفعل الطاعة أكبر من ترك المعصية، فيكون الصبر عليها آكد، وفوق الصبر عن ترك المعصية، فإن ترك المعصية إنما كان لتكميل الطاعة، والمنهي عنه لما كان يُضعف المأمور به ويُنقصه نهي عنه؛ حماية وصيانة لجانب الأمر.
والصبر في هذه الدرجة بثلاثة أشياء:
دوام الطاعة .. والإخلاص فيه .. ووقوعها على مقتضى العلم.
والطاعة تتخلف من فوات واحد من هذه الثلاثة.
فالعبد إن لم يحافظ عليها دوماً عطلها، وإن حافظ عليها دوماً عرض لها آفتان:
الأولى: ترك الإخلاص، وحفظها من هذه الآفة برعاية الإخلاص.