فمن لا داعي له مثلاً إلى القتل والسرقة والزنى، ولا هو سهل عليه، فصبره عنه من أيسر شيء وأسهله عليه، ومن اشتد داعيه إلى ذلك وسهل عليه، فصبره عنه أشق شيء عليه.
ولهذا كان صبر السلطان عن الظلم .. وصبر الشاب عن الفاحشة .. وصبر الغني عن اللذات والشهوات عند الله بمكان.
ولذلك استحق السبعة أن يظلهم الله في ظل عرشه لكمال صبرهم ومشقته كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأ فِي عِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقال: إِنِّي أخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَأخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ،
وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» متفق عليه.
ولهذا كانت عقوبة الشيخ الزاني، والملك الكذاب، والفقير المختال أشد العقوبة؛ لسهولة الصبر عن هذه الأشياء المحرمة عليهم، لضعف دواعيها في حقهم، فتركهم الصبر عنها مع سهولته عليهم دليل على تمردهم على الله، وشدة عتوهم عليه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ (قال أبُو مُعَاوِيَةَ: وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ) وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» أخرجه مسلم.
ولهذا كان الصبر عن معاصي اللسان والفرج من أصعب أنواع الصبر، لشدة الداعي إليهما وسهولتهما.
فإن معاصي اللسان فاكهة الإنسان كالغيبة والنميمة، والكذب والمراء، والثناء على النفس، والطعن على من يبغضه، والثناء على من يحبه ونحو ذلك.
فتتفق قوة الداعي، وتيسر حركة اللسان، فيضعف الصبر.
ولهذا تجد الرجل يقوم الليل، ويصوم النهار، ومع ذلك يطلق لسانه في الغيبة والنميمة، ويتفكه في أعراض الخلق.