ومعنى الفاء والنصب جزاء، أي لا تفعل هذا فيفعل بك، فلما عطف حرف على غير ما يشاكله، وكان في أوله حادث لا يصلح في الثاني نصب.
وقال الزجاج: إنما نصب بإضمار (أن) . ومثله مما نصب بالفاء قوله: {وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ} [طه: 81] {لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ} [طه: 61] ،. وما كان من نهي ففيه الوجهان، ولا يجوز الرفع إلا أن تريد الاستئناف ولا تجعله جواباً، كقولك: لا تركبْ إلى فلان
فيركبُ إليك، يريد لا تركب إليه فإنه سيركب إليك.
قال الأعشى:
ألمْ تَسْأَلِ الرَّبْعَ القَدِيَم فَيَنْطِقُ ... وهَلْ تُخْبِرَنْكَ اليَومَ بَيْدَاءُ سَمْلَقُ
أراد ألم تسأل الربع، فإنه يخبرك عن أهله.
وقوله تعالى: {مِنَ الظَّالِمِينَ} . يقال: ظَلَمَه يَظْلِمُه ظُلمًا، فالظلم مصدر حقيقي، والظلم الاسم يقوم مقام المصدر. ومن أمثال العرب: (من أشبه أباه فما ظلم) . قال الأصمعي: أي ما وضع الشبه غير موضعه.
وقال أحمد بن يحيى وأبو الهيثم: يقال: ظلمت السّقاء، وظلمت اللبن إذا شربته أو سقيته قبل إدراكه وإخراج زبدته. وقال ابن السكيت: ظلمت وطبي للقوم بهذا المعنى. قال أبو عبيد: ويقال لذلك اللبن المظلوم والظليم، وأنشد شمر:
وقَائِلةٍ ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائِي ... وهَلْ يَخْفَى عَلَى العَكِدِ الظَّليِمُ
وقال الفراء: ظلم الوادي إذا بلغ الماء منه موضعاً لم يكن ناله فيما خلا، وأنشد:
يَكَاد يَطْلُعُ ظُلْماً ثُمَّ يَمْنَعُه ... عَنِ الشَّوَاهِقِ فَالوَادِي بِهِ شَرِقُ
قال: ويقال: هو أظلم من حية، لأنها تأتي الجحر لم تحفره
فتسكنه. وقال ابن السكيت في قول النابغة:
والنُّؤْيُ كَالحَوْضِ بِالمظْلُومَةِ الجَلَدِ
يعني بالمظلومة أرضاً في برية حوّضوا فيها حوضاً سقوا فيه إبلهم، وليست بموضوع تحويض. قال: وأصل الظلم، وضع الشيء غير موضعه، قال: ومنه قول ابن مقبل:
هُرْتُ الشَّقَاشِقِ ظَلَّامُونَ للجُزُرِ
وظلم الجزور أنهم نحروها من غير مرض، فوضعوا النحر في غير موضعه. وقول زهير:... وَيُظْلَمُ أَحْيَاناً فَيَنْظَلِمُ
أي يطلب منه في غير موضع الطلب.
ومعنى قوله: {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} أي من العاصين الذين وضعوا الأمر غير موضعه.
والعاصي ظالم لوضعه أمر الله في غير موضعه، ووضعه المعصية حيث يجب أن يطيع.
وقال بعضهم: معنى قوله: {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} أي: الباخسين