فالمطلوب إن كان محبوباً لله سبحانه فالمطلوب فعله سواء كان واجباً أو مستحباً، ولا يتم ذلك إلا بالصبر.
وإن كان المطلوب مبغوضاً له فالمطلوب تركه سواء كان محرماً أو مكروهاً، وذلك كذلك لا يتم إلا بالصبر.
فهذا حكم الله الديني الشرعي، فمرجع الدين كله إلى هذه الثلاث:
فعل المأمور .. وترك المحظور .. والصبر على المقدور.
وأما الذي من جهة العبد، فإنه لا ينفك عن هذه الثلاث ما دام مكلفاً، ولا تسقط عنه هذه الثلاث حتى يسقط عنه التكليف، فكما لا تستوي السنبلة إلا على ساقها، فكذلك عبودية الأمر والنهي والقدر لا تقوم ولا تستوي إلا على ساق الصبر.
وأكمل أنواع الصبر الصبر المتعلق بالتكليف، وهو الأمر والنهي، فهو أفضل من الصبر على مجرد القدر.
فإن هذا الصبر يأتي به البر والفاجر، والمؤمن والكافر، فلا بدَّ لكل أحد من
الصبر على القدر اختياراً أو اضطراراً.
وأما الصبر على الأوامر والنواهي فصبر الرسل وأتباعهم، وأعظمهم اتباعاً أصبرهم في ذلك.
وكل صبر في محله وموضعه أفضل.
فالصبر عن الحرام في موضعه أفضل .. والصبر على الطاعة في محلها أفضل .. والطاعات ترفع الدرجات .. والمصائب تحط السيئات.
والصبر قسمان:
قسم مذموم .. وقسم محمود.
فالمذموم: الصبر عن الله وعن إرادته ومحبته وسير القلب إليه، وهذا يتضمن تعطيل كمال العبد بالكلية، وهذا كما أنه أقبح الصبر فهو أعظمه وأبلغه، فإنه لا صبر أبلغ من صبر من يصبر عن محبوبه الذي لا حياة له بدونه البتة.
فالصبر عن الله جفاء، ولا جفاء أعظم ممن صبر عن معبوده وإلهه ومولاه الذي لا مولى له سواه.
وأما الصبر المحمود فنوعان:
صبر بالله .. وصبر لله.
فالأول: كقوله سبحانه: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} [النحل: 127] .
والثاني: كقوله سبحانه: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: 48] .
فيصبر مستعيناً بالله من أجل مرضاة الله.
وكل إنسان لا بدَّ أن يصبر على بعض ما يكره إما اختياراً وإما اضطراراً.
فالكريم يصبر اختياراً لعلمه بحسن عاقبة الصبر، وأنه يحمد عليه، ويذم على الجزع، وأن المقدر لا حيلة في دفعه، وما لم يقدر لا حيلة في تحصيله.