أحدهما: الشكوى إلى الله، فهذا لا ينافي الصبر كما قال يعقوب - صلى الله عليه وسلم: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86] .
الثاني: شكوى المبتلى بلسان الحال أو المقال، فهذه لا تجامع الصبر؛ بل تضاده وتبطله، وفرق كبير بين شكوى الرب، والشكوى إليه.
والصبر والجزع ضدان كما قال سبحانه عن أهل النار: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (21) } [إبراهيم: 21] .
والنفس مطية العبد التي يسير عليها إلى الجنة أو النار، والصبر لها بمنزلة الخطام، والزمام للمطية، فإن لم يكن للمطية خطام ولا زمام شردت في كل مذهب، ففسدت وأفسدت.
وقد خلق الله عزَّ وجلَّ في كل نفس قوتين:
قوة الإقدام .. وقوة الإحجام.
فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه، وقوة الإحجام إمساكاً عما يضره.
فرحم الله عبداً جعل لنفسه خطاماً وزماماً، فقادها بخطامها إلى طاعة الله، وصرفها بزمامها عن معاصي الله.
فالصبر عن محارم الله، وعلى طاعة الله، وعلى أقدار الله، أيسر من الصبر على عذاب الله وعقابه.
والصبر نوعان:
صبر محمود .. وصبر مذموم.
فالمذموم كالصبر على التعب والألم والشدائد للوصول إلى ما حرم الله من الفواحش، والكبائر، وسائر المحرمات.
والمحمود كالصبر على أنواع الطاعات، والصبر عن ما نهى الله عنه من الأقوال والأعمال، والصبر على أقدار الله.
وهذا النوع متعلقاته كثيرة، وله ارتباط بمقامات الدين من أولها إلى آخرها، وله مراتب وأسماء بحسب متعلقه:
فإن كان صبراً عن شهوة الفرج المحرمة سمي عفة، وضدها الفجور والزنى والعهر.
وإن كان صبراً عن شهوة البطن، أو تناول ما لا يجمل منه سمي عفة، وإن كان عن فضول العيش سمي زهداً، وإن كان على قدر من العيش يكفيه سمي قناعة، وإن كان صبراً عن إجابة داعي الغضب سمي حلماً.
وإن كان صبراً عن إجابة داعي العجلة سمي وقاراً.
وإن كان صبراً عن إجابة داعي الفرار والهروب سمي شجاعة.
وإن كان صبراً عن إجابة داعي الانتقام سمي عفواً وصفحاً.
وإن كان صبراً عن إجابة داعي الإمساك والبخل سمي جوداً.