فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 37759 من 466147

وأما العقل: فإنه يقوي عساكر الصبر بجنود منها أن يقول: قد ثبتت عندي الأدلة القاطعة على حكمة المقدر. فلا أترك الأصل الثابت لما يظنه الجاهل خللاً.

ومنها أن يقول: ما قد استهولته أيها الناظر من بسط يد العاصي هي قبض في المعنى، وما قد أثر عندك من قبض يد الطائع بسط في المعنى، لأن ذلك البسط يوجب عقاباً طويلاً، وهذا القبض يؤثر انبساطاً في الأجر جزيلاً، فزمان الرجلين ينقضي عن قريب. والمراحل تطوى. والركبان في السير الحثيث.

ومنها أن يقول: قد ثبت أن المؤمن بالله كالأجير، وأن زمن التكليف كبياض نهار، ولا ينبغي للمستعمل في الطين إن يلبس نظيف الثياب، بل ينبغي أن يصابر ساعات العمل، فإذا فرغ تنظف ولبس أجود ثيابه. فمن ترفه وقت العمل ندم وقت تفريق الأجرة وعوقب على التواني فيما كلف، فهذه النبذة تقوي أزر الصبر.

وأزيدها بسطاً فأقول: أترى إذا أريد اتخاذ شهداء، فكيف لا يخلق أقوام يبسطون أيديهم لقتل المؤمنين، أفيجوز أن يفتك بعمر إلا مثل أبي لؤلؤة؟ وبعلي إلا مثل ابن ملجم: أفيصح أن يقتل يحيى بن زكريا إلا جبار كافر، ولو أن عين الفهم زال عنها غشاء العشا .. لرأيت المسبب لا الأسباب، والمقدر لا الأقدار، فصبرت على بلائه. إيثاراً لما يريد، ومن ههنا ينشأ الرضى.

كما قيل لبعض أهل البلاء: ادع الله بالعافية، فقال: أحبه إلي أحبه إلى الله عز وجل.

إن كان رضاكم في سهري ... فسلام اللّه على وسني

(فصل من ذاق طعم المعرفة وجد طعم المحبة)

لما أنهيت كتابة الفصل المتقدم. هتف بي هاتف من باطني. دعني من شرح الصبر على الأقدار، فإني قد اكتفيت بأنموذج ما شرحت.

وصف حال الرضى. فإني أجد نسيماً من ذكره فيه روح للروح.

فقلت: أيها الهاتف اسمع الجواب. وافهم الصواب.

إن الرضى من جملة ثمرات المعرفة، فإذا عرفته رضيت بقضائه، وقد يجري في ضمن القضاء مرارات يجد بعض طعمها الراضي.

أما العارف فتقل عنده المرارات لقوة حلاوة المعرفة.

فإذا ترقى بالمعرفة إلى المحبة، صارت مرارة الأقدار، حلاوة كما قال القائل:

عذابه فيك عذب ... وبعده فيك قرب

وأنت عندي كروحي ... بل أنت منها أحب

حسبي من الحب أني ... لما تحبّ أحبّ

وقال بعض المحبين في هذا المعنى:

ويقبح من سواك الفعل عندي ... فتفعله فيحسن منك ذاك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت