وَبَيَانُ ذَلِكَ بِمَثَلٍ وَهُوَ أَنَّ امْرَأَةً مُسْتَحْسَنَةً مَرَّتْ عَلَى رَجُلَيْنِ فَلَمَّا عَرَضَتْ لَهُمَا اشْتَهَيَا النَّظَرَ إِلَيْهَا فَجَاهَدَ أَحَدُهُمَا نَفْسَهُ وَغَضَّ بَصَرَهُ فَمَا كَانَتْ إِلا لَحْظَةً وَنَسِيَ مَا كَانَ، وَأَوْغَلَ الآخَرُ فِي النَّظَرِ فَعَلِقَتْ بِقَلْبِهِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ فِتْنَتِهِ وَذَهَابِ دِينِهِ فَبَانَ لَكَ أَنَّ مُدَارَاةَ الْمَعْصِيَةِ حَتَّى تَذْهَبَ أَسْهَلُ مِنْ مُعَانَاةِ التَّوْبَةِ حَتَّى تُقْبَلَ
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ مَنْ تَخَايَلَ الثَّوَابَ خف عَلَيْهِ الْعلم.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ جَلَسَ إِلَيَّ يَوْمًا زِيَادٌ مَوْلَى ابْنِ عَيَّاشٍ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ قُلْت مَا تَشَاءُ؟ قَالَ مَا هِيَ إِلا الْجَنَّةُ وَالنَّارُ قُلْتُ وَاللَّهِ مَا هِيَ إِلا الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَ وَمَا بَيْنَهُمَا مَنْزِلٌ يَنْزِلُهُ الْعبادُ قُلْتُ وَمَا بَيْنَهُمَا مَنْزِلٌ يَنْزِلُهُ الْعبادُ قَالَ فَوَاللَّهِ إِنَّ نَفْسِي لَنَفْسٌ أَضُنُّ بِهَا عَنِ النَّارِ وَلَلصَّبْرُ الْيَوْمَ عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى الأَغْلالِ.
قَالَ عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ الْمَكِيُّ لَقَدْ وَبَّخَ اللَّهُ التَّارِكِينَ لِلصَّبْرِ عَلَى دِينِهِمْ بِمَا أَخْبَرَنَا عَنِ الْكُفَّارِ أَنَّهُمْ قَالُوا {امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتكُم} فَهَذَا تَوْبِيخٌ لِمَنْ تَرَكَ الصَّبْرَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى دِينِهِ.
سُئِلَ عَبْدٌ الْخَزَّازُ عَنْ عَلامَةِ الصَّبْرِ فَقَالَ: تَرْكُ الشَّكْوَى وَإِخْفَاءُ الصَّبْرِ وَالْبَلْوَى.
وَقَالَ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيٍّ حِيلَةُ مَنْ لَا حِيلَةَ لَهُ الصَّبْرُ
وَأَنْشَدَ ابْنُ مَسْرُوقٍ:
إِذَا طَالَعَكَ الْكُرْهُ كُنْ بِالصَّبْرِ لَوَّاذَا ... وَإِلا ذَهَبَ الأَجْرُ فَلا هَذَا وَلا هَذَا
(فصل الصبر والرضا)
ليس في التكليف أصعب من الصبر على القضاء، ولا فيه أفضل من الرضى به.
فأما الصبر: فهو فرض. وأما الرضا فهو فضل.
وإنما صعب الصبر لأن القدر يجري في الأغلب بمكروه النفس، وليس مكروه النفس يقف على المرض والأذى في البدن، بل هو يتنوع حتى يتحير العقل في حكمة جريان القدر.