والعقل أيضا عقد بين الطاعة والمعصية، فيعقد ويفتح: فحيث يكون العقد في والخوف والتفكر والحفظ والعاقبة عن هذا؛ فأول ما يشككه الشيطان بالمعصية. فحيث يغفر العبد عن هذا فيشككه الشيطان حتى يقع في الذنوب، ولم يذهب ذلك العقل الأول لأنه لا يرضى بقلبه بالمعصية لله، وإنما يرضى بقلبه لأجل نهمة النفس، حتى غفل عن عاقبة الذل والهوان، ويكون أيضاً عقداً بين بدعة المبتدع وبين سنة السني، فيعقد ويفتح فحيث يكون العقد في الخوف والحفظ والتفكر لعاقبته؛ فأول ما يشككه الشيطان حتى يوقعه في البدعة، فإذا أوقعه في البدعة؛ فلم يذهب ذلك العقل الأول عنه، ويكون ذلك أيضا عقداً بين زهد الزاهد وبين رغبة الراغب، فيعقد ويفتح، فحيث يكون العبد في الخوف والحفظ والتفكر لعاقبة الحساب الشديد، والحبس عن الجنة، والتقصير في الدرجة، وسؤال الله إياه من أين اكتَسَبْت، وفي ماذا أنفقت، وماذا أردت به؛ فأول ما يشككه الشيطان حتى يوقعه في الرغبة في الدنيا، فإذا أوقعه فلم يذهب عنه ذلك العقل الأول، فهذا تفسير العقل.
(تفسير الفهم وضده الوهم)
وقال الفهم من الفهيم يكون بثلاثة أشياء: أوّله: بفراغة القلب، والثاني: بالتضرّع بينه وبين الله حتى يفهمه، والثالث: بالمطارحة والمناظرة والمذاكرة مع من يفهم أمر الدارين، ولا يفهمه إلاَّ البصراء؛ حتى يكون فهماً.
وشكل الفهم البصر، وضد الفهم الوهم، وللفهم ثلاث علامات: أولهما: أنه معصوم من التّهلُكة، لأن الفهم يحفظه، والثاني: لا يغضب لأنه يفهم أصل كلّ شيء، ويتفكر بفهمه في عاقبته، والثالث: لا يتعجب من أمر الله، لأنه يفهم أن الله قادر على أن يفعل كلّ شيء.
وثلاثة أشياء من فعال الفهم، أولهما: تفنن الكلام، لأنه يفهم في الدقائق، والثاني بصير بالحجة، والثالث: مشغول بأحكام أمر البدن. انتهى انتهى {العقل والهوى، للحكيم الترمذي} ...