التاسعة: اتفق أهل الحق على أن العقل كائن موجود ليس بقديم ولا معدوم ؛ لأنه لو كان معدوماً لما اختص بالاتصاف به بعض الذوات دون بعض ؛ وإذا ثبت وجوده فيستحيل القول بقدمه ؛ إذ الدليل قد قام على أن لا قديم إلا الله تعالى ، على ما يأتي بيانه فِي هذه السورة وغيرها ، إن شاء الله تعالى.
وقد صارت الفلاسفة إلى أن العقل قديم ؛ ثم منهم من صار إلى جوهر لطيف فِي البدن ينبثّ شعاعه منه بمنزلة السراج فِي البيت ، يفصل به بين حقائق المعلومات.
ومنهم من قال: إنه جوهر بسيط ؛ أي غير مركب.
ثم اختلفوا فِي محله ؛ فقالت طائفة منهم: محله الدماغ ؛ لأن الدماغ محل الحِسّ.
وقالت طائفة أخرى: محله القلب ، لأن القلب معدن الحياة ومادة الحواس.
وهذا القول فِي العقل بأنه جوهر فاسد ، من حيث إن الجواهر متماثلة ؛ فلو كان جوهر عقلاً لكان كل جوهر عقلاً.
وقيل: إن العقل هو المدرك للأشياء على ما هي عليه من حقائق المعاني.
وهذا القول وإن كان أقرب مما قبله فيبعد عن الصواب من جهة أن الإدراك من صفات الحيّ ، والعقل عَرَض يستحيل ذلك منه كما يستحيل أن يكون ملتذاً ومشتهياً.
وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري والأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني وغيرهما من المحققين: العقل هو العلم ، بدليل أنه لا يقال: عَقَلت وما علمت ، أو علمت وما عقلت.
وقال القاضي أبو بكر: العقل علوم ضرورية بوجوب الواجبات وجواز الجائزات واستحالة المستحيلات ؛ وهو اختيار أبي المعالي فِي الإرشاد ؛ واختار فِي البرهان أنه صفة يتأتَّى بها درك العلوم.
واعترض على مذهب القاضي واستدل على فساد مذهبه.
وحكي فِي البرهان عن المحاسبي أنه قال: العقل غريزة.
وحكى الأستاذ أبو بكر عن الشافعي وأبي عبد اللَّه بن مجاهد أنهما قالا: العقل آلة التمييز.
وحكي عن أبي العباس القَلاَنسيّ أنه قال: العقل قوّة التمييز.
وحكي عن المحاسبي أنه قال: العقل أنوار وبصائر.