والمقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الإرشاد إلى المنفعة والتحذير عن المفسدة، وذلك معلوم بشواهد العقل، فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بفعل متناقض لا يقبله العقل، ويصير ذلك الوعظ سبباً للرغبة فِي المعصية، لأنه يقال: لولا اطلاع الواعظ على أن لا أصل لهذه التخويفات لما أقدم على المعصية، فتكون النفس نافرة عن قبول وعظ من لم يتعظ، وأنشدوا:
مواعظ الواعظ لن تقبلا ... حتى يعيها قلبه أولاً
وقال عليّ كرم الله وجهه: قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل متنسك.
ولا دليل فِي الآية لمن استدل بها على أنه ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا فِي قوله تعالى: {لم تقولون ما لا تفعلون} ، ولا للمعتزلة فِي أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى، قالوا: التوبيخ لا يحسن إلا إذا كانوا فاعلي أفعالهم، وهذه مسألة مشكلة يبحث فيها فِي علم الكلام.
وهذا الإنكار والتوبيخ والتقريع، وإن كان خطاباً لبني إسرائيل، فهو عام من حيث المعنى.
وعن محمد بن واسع: بلغني أن ناساً من أهل الجنة أطلعوا على ناس من أهل النار فقالوا لهم: قد كنتم تأمروننا بأشياء عملناها فدخلنا الجنة، قالوا: كنا نأمركم بها ونخالف إلى غيرها. انتهى انتهى. {البحر المحيط حـ 1 صـ 337 - 340} . باختصار.