فإن سأل سائل عن مسلم كان في قلبه غل على كافر من وجه سوى الكفر، فأسلم الكافر فحزن المسلم لذلك ونسي إن كان لمسلم، وود لو عاد فكفر، أيكفر المسلم بذلك أم لا؟
قيل له: لا يكفر بذلك لأن استقباحه الكفر هو الذي يحمله على أن يتمنى له.
واستحسانه للإسلام هو الذي يحمله على أن يكرهه له، وإنما يكون تمنى الكفر كفراً إذا كان على وجه الإستحسان له.
ألا ترى أن موسى نبي الله صلوات الله عليه دعا على فرعون فقال: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ} فتمنى أن لا يؤمن فرعون وآله حتى يروا العذاب الأليم.
وزاد على التمني إن دعا الله - تعالى جده - بذلك فلم يضره ذلك شيئاً ولا عاتبه الله تعالى فلا زجره عنه.
فدل ذلك على صحة ما أمليناه في هذا الباب.
وإن سأل عمن تمنى أن لو كان نبياً ما كان حكمه؟ قيل له: أما إن تمنى أنه لو كان في ذلك الوقت نبياً لكان هو ذلك النبي فإن هذا لا يضره.
وهكذا لو تمنى إن كان الله تعالى قدر أن يكون من جملة أنبيائه، ولو تمنى رجل في زمن نبي من الأنبياء أن لو كان هو النبي دون الذي هو نبي بالحقيقة، كفر.
وهذا سوء رأي منه في ذلك النبي.
وإن تمنى في زمان نبينا - صلى الله عليه وسلّم - وبعده أن لو كان نبياً كما ذكرت.
ووجه آخر وهو أنه يتمنى إن لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلّم - شرف ختم النبوة وهذا كفر.
فإن قال قائل: قد كتبتم باباً في أن من الإيمان أن يحب المرء لأخيه المسلم ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه، فانتظم هذا أن لا يحسده، ولا ينطوي على غل له.
فما معنى إفراد باب آخر لترك الحسد والغل؟
فالجواب: أن ذلك الباب إنما هو في أن يحب المرء لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير فيسعى له فيه ليحصله لمن أراد ذلك منه، واستسعاه فيه، ولا يسعى في خلافة عليه ويكره له ما يكره فيه لنفسه من الشر، فيسعى له في دفعه عنه لمن أراد ذلك منه، وأظهر له الرغبة فيه، ولا يسعى في خلافة عليه.
وهذا الباب مقصود على التمني دون الفعل، وهذا فرق ما بين الناس.
وأما ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله علماً وهو يعلمه الناس، ورجل أتاه الله مالاً فهو ينفق منه آناء الليل والنهار» .
فيحتمل أن يكون المراد به الغبطة، فسماه حسداً لأنه يقرب منه، وإن لم يكن به.