يبقى بمرور الدهور بخلاف ما يذكرونه في تأويله بلا كتب، وعن هذا قال تَعَالَى:(فويل
للذين يَكْتُبُونَ الْكتَاب بأَيْديهمْ)الآية. والْمُرَاد بما كتبوه المحرف والتأويلات
الزائغة المكتوبة في خلاله.
قوله: (أو ولا تجعلوا الحق) الخ. هذا مبني عَلَى إرادة الْمَعْنَى المجازي للخلط فحِينَئِذٍ
الباء للسببية ظرف لغو لتضمين معنى الجعل مشار إليه بقوله (ملتبسًا) قوله(بسَبَب خلط
الباطل)تنبيه عَلَى كون الباء للاستعانة وعلى تقدير الْمُضَاف وهو الخلط فحِينَئِذٍ فيه شائبة
الجمع بين الْحَقيقَة والْمَجَاز فإن الْمُرَاد بالخلط هنا الْمَعْنَى الحقيقي، ويحتمل أن يكون مراده
بيان حاصل الْمَعْنَى بلا تقدير مضاف في نظم الْكَلَام، ولعل لهذا أخَّره أو لأنه مجاز وهو
مرجوح حسبما أمكن الْحَقيقَة أو لاحتياجه التَّضْمين (الذي تكتبونه في خلاله) أي في خلال
الحق وهو التَّوْرَاة في خلاله. إشَارَة إلَى ما ذكرنا آنفًا من أن ما كتبوه عام للمحرف الزائد من
عند أنفسهم وللتأويل الباطل في بيان معنى المنزل فحِينَئِذٍ يكون الْمُرَاد بقول(أو تذكرونه
في تأويله)ذكرها بلا كتب في خلال المنزل وهو الذي ترك ذكره في الوجه الأول لما ذكرنا
ولو ذكره هناك لكان له وجه وجيه، لكن النُّكْتَة بناء عَلَى الإرادة.
قوله: (وتكتموا الحق) جزم داخل تحت حكم النهي) احتمل احتمالين تصدى
لبيانهما وقدم الجزم لسلامته عن [تقدير أن] [وكتمان] الحق غير خلط الباطل بالحق؛ ولهذا نهوا
عنه بعد النهي عن اللبس الْمَذْكُور، وقدمه لاستلزامه كتمان الحق في الْجُمْلَة.
قوله: (كأنهم أُمرُوا بالإيمان) بقَوْلُه تَعَالَى: (وَآمنُوا بمَا أَنْزَلْتُ) الآية.
(وترك الضلال) بقَوْلُه تَعَالَى: (ولا تكُونُوا أَوَّلَ كَافرٍ به) إلَى قَوْله:(ولا
تلبسوا الحق)الآية. أو بقَوْلُه تَعَالَى: (ولا تشتروا) الآية. أن
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: جزم داخل تحت حكم النهي، فالْمَعْنَى ولا تكتموا الحق كأنهم أُمرُوا بالإيمان وترك
الضلال أي أُمرُوا بالإيمان بقوله: (وَآمنُوا بمَا أَنْزَلْتُ) الآية. وما عطف عليه من قوله:(ولا تكُونُوا
أَوَّلَ كَافرٍ به)فإن النهي عن ترك الكفر في ضمنه أمر بالإيمان والأمر بترك الضلال
مُسْتَفَاد من قوله عز وجل: (ولا تشتروا) الآية. فإن مَنْطُوقه النهي عن استبدال
حظوط الدُّنْيَا بالإيمان لها ومفهومه الأمر بترك تحريف أحكام التَّوْرَاة فكان أمرًا بترك الضلال
المنهي هنا تحريف التَّوْرَاة وللتحريف نسبتان نسبة إلَى من سمع الحق ونسبة إلَى من لم يسمعه
فنهى من حيث نسبته الأولى بقوله عز وجل (ولا تَلْبسُوا الْحَقَّ بالْباطل) ومن
حيث نسبته الثانية بقوله عز وجل. (وتكتموا الحق) وكتمان الحق إخفاء له فأشار إليه بقوله
والإخفاء عَلَى من لم يسمعه.