قال أَبُو حاتم رَضِيَ اللَّه عنه الواجب على العاقل أن يبدأ بالصنائع والإحسان الأفرض فالأفرض يبدأ بأهل بيته ثم بإخوانه وجيرانه ثم الأقرب فالأقرب ويتحرى المعروف والإحسان في أهل الدين والعلم منهم ويجتنب ضد مَا قلنا لأن مثل من لم يفعل مَا أومأنا إليه كما أنشدني الحسين بْن أحمد البغدادي:
تصول على الأدنى وتجتنب العدا ... وما هكذا تبنى المكارم يا يحيى
فكنت كفحل السوء ينزو بأمه ... ويترك باقي الخيل سائمة ترعى
وأنشدني البسامي:
وكنت كمهريق الذي في سقائه ... لرقراق ماء فوق رابية صلد
كمرضعة أولاد أخرى وضيعت ... بني بطنها هذا الضلال من القصد
قال أَبُو حاتم رَضِيَ اللَّه عنه العاقل يبتدئ بالصنائع قبل أن يسأل لأن الابتداء بالصنيعة أحسن من المكافأة عليها والإمساك عَن التعرض خير من البذل والصنائع إنما تحسن بإتمامها والتحافظ عليها بعدها لأن بصلاح الخواتم تزكو الأوائل والعطية بعد المنع أجمل من المنع بعد العطية والناس في الصنائع على ضربين شاكر وكافر ولقد أنشدني بعض إخواننا
وما الناس في حسن الصنيعة عندهم ... وفي كفرهم إلا كبعض المزارع
فمزرعة طابت وأضعف ريعها ... ومزرعة أكدت على كل زارع
وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه البغدادي:
ومن يضع المعروف في غير أهله ... يكن ضائعا في غير حمد ولا أجر
وحسب امرئ من كفر نعمى جحودها ... إذا وقعت عند يقول: امرئ غير ذي شكر
وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الواسطي:
لعمرك مَا المعروف في غير أهله ... وفي أهله إلا كبعض الودائع
فمستودع ضاع الذي كان عنده ... ومستودع مَا عنده غير ضائع
قال أَبُو حاتم رَضِيَ اللَّه عنه الهمج من الناس إذا أحسن إليه يرى ذلك استحقاقا منه له ثم يرى الفضل لنفسه على المحسن إليه فلا يحمد عند الخير ولا يشكر عند البر ويتعجب ممن يشكر ويذم من يحمد وإذا امتحن العاقل بمثل من هذا نعته استعمل معه مَا أنشدني الكريزي:
إن ذا اللؤم إذا أكرمته ... حسب الإكرام حقا لزمك
فأهنه بهوان إنه ... إن تهنه بهوان أكرمك
وأنشدني الأبرش:
إذا أوليت معروفا لئيما ... يعدك قد قتلت له قتيلا
فكن من ذاك معتذرا إليه ... وقل إني أتبتك مستقيلا
فإن تغفر فمجترمي عظيم ... وإن عاقبت لم تظلم فتيلا
ولست بعائد أبدا لهذا ... وقد حملتني حملا ثقثيلا