(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
{إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) }
يَا طَوِيل الأمل فِي قصير الْأَجَل يَا كثير الزلل فِي يسير الْعَمَل خلا لَك الزَّمَان وَمَا سددت الْخلَل أفما عنْدك وَجل من هجوم الْأَجَل
(تجهز إِلَى الأجداث وَيحك والرمس ... جهازا من التَّقْوَى لَا طول مَا حبس)
(فَإنَّك مَا تَدْرِي إِذا كنت مصبحا ... بِأَحْسَن مَا ترجو لَعَلَّك لَا تمسى)
(سأتعب نَفسِي أَو أصادف رَاحَة ... فَإِن هوان النَّفس أكْرم للنَّفس)
(وازهد فِي الدُّنْيَا فَإِن مقيمها ... كظاعنها مَا أشبه الْيَوْم بالْأَمْس)
يَا معاشر الأصحاء اغتنموا نعمتي السَّلامَة والإمهال واحذروا خديعتي المنى والآمال قد جربتم على النَّفس تبذيرها فِي بضَاعَة الْعُمر فانتبهوا لانتهاب الْبَاقِي {وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم}
الدُّنْيَا حلم يقظة وَيَوْم الْحساب تَفْسِير الأضغاث أَيَّام مَعْدُودَة وسيفنى الْعدَد وَطَرِيق صعبة على قلَّة الْعدَد وَقد سَار الركب ولاح الجدد أَتَرَى تظن أَن تبقى على الْأَبَد أما يعْتَبر بالوالد الْوَلَد أَيْن المتحرك فِي الْهَوَاء همد أَيْن اضطرام تِلْكَ النَّار خمد أَيْن مَاء الْأَعْرَاض الْجَارِي جمد تَسَاوِي فِي الْمَمَات الثَّعْلَب والأسد وشارك الوهى بَين الْحَدِيد والمسد وَجمع التّلف عنقاء مغرب والصرد واستقام قِيَاس النَّقْض للْكُلّ وَأطْرد أَفلا ينتبه من رقدته من قد رقد
يَا شاربين من منهل أبوي شرب الهيم يَا جاعلين نَهَار الْهدى
كالليل البهيم مقيمين على الدنس وَلَيْسَ فيهم مُقيم سَالِمين من أمراض الْبدن وَكلهمْ سليم أتعمرون ربوع النقم برتوع النعم وتستبدلون بِالْقُرْآنِ مُحرمَات النغم وَقد توطنتم ناسين تروح النزوح فَلم تَذكرُوا الْمَمَات تروح الرّوح تالله ليعودن المستوطن فِي أَهله غَرِيبا والمغتبط بفرحه مغيظا كئيبا {إِنَّهُم يرونه بَعيدا ونراه قَرِيبا}