سورة الحاقة
الدرس الأول:1 - 3 الحاقة والهول في إفتتاح السورة
(الحاقة. ما الحاقة ?. وما أدراك ما الحاقة ?) . .
القيامة ومشاهدها وأحداثها تشغل معظم هذه السورة. ومن ثم تبدأ السورة باسمها , وتسمى به , وهو اسم مختار بجرسه ومعناه كما أسلفنا. فالحاقة هي التي تحق فتقع. أو تحق فتنزل بحكمها على الناس. أو تحق فيكون فيها الحق. . وكلها معان تقريرية جازمة تناسب اتجاه السورة وموضوعها. ثم هي بجرسها كما بينا من قبل تلقي إيقاعا معينا يساوق هذا المعنى الكامن فيها , ويشارك في إطلاق الجو المراد بها ; ويمهد لما حق على المكذبين بها. في الدنيا وفي الآخرة جميعا.
والجو كله في السورة جو جد وجزم , كما أنه جو هول وروع. وهو يوقع في الحس إلى جانب ما أسلفنا في التقديم , شعورا بالقدرة الإلهية الكبرى من جهة , وبضآلة الكائن الإنساني تجاه هذه القدرة من جهة أخرى ; وأخذها له أخذا شديدا في الدنيا والآخرة , عندما يحيد أو يتلفت عن هذا النهج الذي يريده الله للبشرية , ممثلا فيما يجيء به الرسل من الحق والعقيدة والشريعة ; فهو لا يجيء ليهمل , ولا ليبدل , إنما يجيء ليطاع ويحترم , ويقابل بالتحرج والتقوى. وإلا فهناك الأخذ والقصم , وهناك الهول والروع.
والألفاظ في السورة بجرسها وبمعانيها وباجتماعها في التركيب , وبدلالة التركيب كله. . تشترك في إطلاق هذا الجو وتصويره. فهو يبدأ فيلقيها كلمة مفردة , لا خبر لها في ظاهر اللفظ: (الحاقة) . . ثم يتبعها باستفهام حافل بالاستهوال والاستعظام لماهية هذا الحدث العظيم: (ما الحاقة ?) . . ثم يزيد هذا الاستهوال والاستعظام بالتجهيل , وإخراج المسألة عن حدود العلم والإدراك: (وما أدراك ما الحاقة ?) . . ثم يسكت فلا يجيب على هذا السؤال. ويدعك واقفا أمام هذا الأمر المستهول المستعظم , الذي لا تدريه , ولا يتأتى لك أن تدريه! لأنه أعظم من أن يحيط به العلم والإدراك!