34 -ولما فرغ سبحانه وتعالى من ذكر حال الكفّار وتشبيه ابتلائهم بابتلاء أصحاب الجنة المذكورة .. ذكر حال المتقين، وما أعده لهم من الخير، فقال: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ} ما يوجب سخطه من الكفر والمعاصي {عِنْدَ رَبِّهِمْ} سبحانه وتعالى في الدار الآخرة {جَنَّاتِ النَّعِيمِ} الخالص الذي لا يشوبه كدر، ولا ينغّصه خوف زوال. وذكر {عِنْدَ} للتشريف والتكريم، وذلك لأنه لا ملك فيها حقيقة ولا صورة إلا لله تعالى، فكأنها حاضرة عنده تعالى يتصرف فيها كيف يشاء، وإلا فمحال كون عندية الجنة بالنسبة إلى الله تعالى مكانيةً، وهي ظرف معمول للاستقرار الذي تعلق به للمتقين.
ويجوز أن يكون متعلقًا بمحذوف منصوب على الحالية من المنويّ في قوله: {لِلْمُتَّقِينَ} ولا يجوز أن يكون حالًا من جنات لعدم العامل. والأظهر: أنّ معنى {عِنْدَ رَبِّهِمْ} في جوار القدس، فالمراد عنديّة المكانة المنزهّة عن الجهة والتحيز لا عندية المكان، كما في قوله تعالى: {عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} ، إذ للمقرّبين قرب معنويّ من الله تعالى. ومعنى {جَنَّاتِ النَّعِيمِ} : جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص عن شائبة ما ينغصه من الكدورات وخوف الزوال، كما عليه نعيم الدنيا. واستفيد الحصر من الإضافة اللامية الاختصاصية، فإنها تفيد اختصاص المضاف إليه.
وكان صناديد كفار قريش يرون وفور حظهم في الدنيا وقلة حظوظ المسلمين فيها، فإذا سمعوا ذكر الآخرة، وما وعد الله المسلمين فيها قالوا: إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم تكن حالنا وحالهم إلا مثل ما هي في الدنيا، وإلا لم يزيدوا علينا ولم يفضلونا، وأقصى أمرهم أن يساوونا.