(فصل)
قال السُّهْرَوَرْدي:
نقل عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أنه قال: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا وتزينوا للعرض الأكبر على الله: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ}
فالمحاسبة بحفظ الأنفاس وضبط الحواس ورعاية الأوقات وإيثار المهمات، ويعلم العبد أن الله تعالى أوجب عليه هذه الصلوات الخمس في اليوم والليلة رحمة منه لعلمه سبحانه بعبده واستيلاء الغفلة عليه، كي لا يستعبده الهوى وتسترقه الدنيا؛ فالصلوات الخمس سلسلة تجذب النفوس إلى مواطن العبودية لأداء حق الربوبية، ويراقب العبد نفسه بحسن المحاسبة من كل صلاة إلى صلاة أخرى، ويسدّ مداخل الشيطان بحسن المحاسبة والرعاية، ولا يدخل في الصلاة إلا بعد حل العقد عن القلب بحسن التوبة والاستغفار؛ لأن كل كلمة وحركة على خلاف الشرع تنكت في القلب نكتة سوداء وتعقد عليه عقدة، والمتفقد المحاسب يهيئ الباطن للصلاة بضبط الجوارح ويحقق مقام المحاسبة؛ فيكون عند ذلك لصلاته نور يشرق على أجزاء وقته إلى الصلاة الأخرى، فلا تزال صلاته منورة تامة بنور وقته، ووقته منوراً مغموراً بنور صلاته.
وكان بعض المحاسبين يكتب الصلوات في قرطاس، ويدع بين كل صلاتين بياضاً، وكلما ارتكب خطيئة من كلمة غيبة أو أمر آخر خط خطاً، وكلما تكلم أو تحرك فيما لا يعنيه نقط نقطة، ليعتبر ذنوبه وحركاته فيما لا يعنيه لتضيق المحاسبة مجاري الشيطان والنفس الأمارة بالسوء لموضع صدقه في حسن الافتقاد وحرصه على تحقيق مقام العباد، وهذا مقام المحاسبة والرعاية يقع من ضرورة صحة التوبة.
قال الجنيد: من حسنت رعايته دامت ولايته.
وسئل الواسطي: أي الأعمال أفضل؟ قال: مراعاة السر، والمحاسبة في الظاهر، والمراقبة في الباطن، ويكمل أحدهما بالآخر، وبهما تستقيم التوبة. والمراقبة والرعاية حالان شريفان ويصيران مقامين شريفين يصحان بصحة مقام التوبة، وتستقيم التوبة على الكمال بهما؛ فصارت المحاسبة والمراقبة والرعاية من ضرورة مقام التوبة.
أخبرنا أبو زرعة إجازة عن ابن خلف أبي بكر الشيرازي قال: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت الحسن الفارسي يقول: سمعت الجريري يقول: أمرنا هذا مبني على فصلين: وهو أن تلزم نفسك المراقبة لله تعالى؛ ويكون العلم على ظاهرك قائماً.