فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 457212 من 466147

(فصل آخر: من الأسرار البلاغية في السورة الكريمة)

سورة الحاقة

{الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3) }

ويأتي الاستفهام ويفيد معنى التهويل، كما في قول الله تعالى: {الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ} (الحاقة: 1 - 3) ، {الْقَارِعَةِ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ} (القارعة: 1 - 3) {كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ} (الهمزة: 4، 5) فالاستفهام في الآيات الكريمة يكشف عن أهوال يوم القيامة، ويصور ويبرز فظاعة العذاب وشدته.

{إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) }

فقد استعير الطغيان للزيادة بجامع مجاوزة الحد في كلٍّ وفقط، ولا يوجد في الآية ملائم لأحدهم.

(فائدة)

الضرب الرابع: استعارة معقول لمحسوس، ولا يكون الجامع فيها إلا عقليًّا قوله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} (الحاقة: 11) حيث استعير الطغيان وهو التعالي والتكبر؛ لزيادة الماء وارتفاعه، بجامع تجاوز الحد في كلٍّ، واشتق منه الفعل طغى بمعنى زاد وارتفع، على سبيل الاستعارة التبعية، المستعار منه الطغيان أمر عقلي، والمستعار له الزيادة والارتفاع أمر حسي، والجامع كما ترى من الأمور العقلية.

وتأمل مثلًا إلى ذلك قول الله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} (الحاقة: 11) وقوله - عز وجل -: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} (الحاقة: 6)

فقد استعير الطغيان لزيادة الماء وارتفاعه، واستعير العتو للشدة، والاستعارة فيهما أبلغ؛ لأنها في الطغيان دلالة على الغلبة والقهر والعتو شدة فيها تمرد.

وقد يُتبَع المستعار بملاءمات المستعار منه ويبالغ في ذلك، حتى ينزل منزلة الحقيقة على ما مر بنا في الاستعارة المرشحة.

{فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) }

حيث أَسند ما في معنى الفعل وهو {رَاضِيَةٍ} إلى مفعوله وهو الضمير العائد إلى عيشة، وأصل هذا الإسناد عيشة راض صاحبها، فالإسناد في الآية الكريمة مجازي وهو يفيد المبالغة في الرضا؛ فكأن الرضا قد تجاوز صاحب العيشة إلى العيشة نفسها، فالعيشة ليست مرضية فقط وإنما هي راضية أيضًا، وإذا علِمنا أن المقصود بالعيشة هنا النعيم الذي يحظَى به أهل الجنة ويتقلبون في أعطافه ويسعدون بجواره، فإن وصفها بالرضا يعني أنها دائمة لا تنقطع، ما دام ثواب الرضا يشمل الطرفين، وتمام النعمة في دوامها وبقائها.

{خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) }

وقد يفيد التقديم بالإضافة إلى الاختصاص مزية أخرى وهي: المحافظة على الفواصل والاستمرار في التنغيم الصوتي، على نحو ما ترى في قول الله تعالى: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ}

فتقديم المفعول: {الْجَحِيمَ} على الجار والمجرور: {فِي سِلْسِلَةٍ} يفيد الاختصاص والمحافظة على الفاصلة واستمرار النغم الصوتي المؤثر في الأنفس. انتهى انتهى {علوم البلاغة المعاني والبيان والبديع، لمجموعة من العلماء} ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت