{إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) }
(فصل)
ويضاد الصبر الهلع وهو الجزع عند ورود المصيبة، والمنع عند ورود النعمة قال تعالى {إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً}
وهذا تفسير الهلوع
قال الجوهرى: الهلع أفحش الجزع وقد هلع بالكسر فهو هلع وهلوع
وفى الحديث:
"شر ما في العبد شح هالع وجبن خالع".
قلت هنا أمران: أمر لفظي وأمر معنوي.
فأما اللفظي فإنه وصف الشح بكونه هالعا والهالع صاحبه وأكثر ما يسمى هلوعا ولا يقال هالع له فإنه لا يتعدى ففيه وجهان:
أحدهما: أنه على النسب كقولهم ليل نائم وسر كاتم ونهار صائم ويوم عاصف كله عند سيبويه على النسب أي ذو كذا كما قالوا تامر ولابن
والثاني: أن اللفظه غيرت عن بابها للازدواج مع خالع وله نظير.
وأما المعنوي: فإن الشح والجبن أردى صفتين في العبد ولا سيما إذا كان شحه هالعا.
أي ملق له في الهلع وجبنه خالعا أي قد خلع قلبه من مكانه فلا سماحة ولا شجاعة ولا نفع بماله ولا ببدنه كما يقال لا طعنة ولا جفنة ولا يطرد ولا يشرد بل قد قمعه وصغره وحقره ودساه الشح والخوف والطمع والفزع وإذا أردت معرفة الهلوع فهو الذي إذا أصابه الجوع مثلا أظهر الاستجاعه واسرع بها وإذا أصابه الالم اسرع الشكايه وأظهرها وإذا أصابه القهر أظهر الاستطامه والاستكانه وباء بها سريعا وإذا أصابه الجوع أسرع الانطراح على جنبه وأظهر الشكايه وإذا بدا له مأخذ طمع طار إليه سريعا وإذا ظفر به أحله من نفسه محل الروح فلا احتمال ولا إفضال.
وهذا كله من صغر النفس ودناءتها وتدسيسها في البدن وإخفائها وتحقيرها والله المستعان.
وقال في (شفاء العليل)
ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً}
وهذا تفسير الهلوع وهو شدة الحرص الذي يترتب عليه الجزع والمنع.
فأخبر سبحانه أنه خلق الإنسان كذلك، وذلك صريح في أن هلعه مخلوق لله، كما أن ذاته مخلوقة.
فالإنسان بجملته ذاته وصفاته وأفعاله وأخلاقه مخلوق لله، ليس فيه شيء خلق لله وشيء خلق لغيره، بل الله خالق الإنسان بجملته وأحواله كلها.
فالهلع فعله حقيقة، والله خالق ذلك فيه حقيقة، فليس الله سبحانه بهلوع، ولا العبد هو الخالق لذلك.
[فصل: الفرق بين رقة القلب والجزع]