وقال الشيخ سيد قطب:
تعريف بسورة الجن
هذه السورة تبده الحس - قبل أن ينظر إلى المعاني والحقائق الواردة فيها - بشيء آخر واضح كل الوضوح فيها. . إنها قطعة موسيقية مطردة الإيقاع , قوية التنغيم , ظاهرة الرنين ; مع صبغة من الحزن في إيقاعها , ومسحة من الأسى في تنغيمها , وطائف من الشجى في رنينها , يساند هذه الظاهرة ويتناسق معها صور السورة وظلالها ومشاهدها , ثم روح الإيحاء فيها. وبخاصة في الشطر الأخير منها بعد انتهاء حكاية قول الجن , والاتجاه بالخطاب إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذا الخطاب الذي يثير العطف على شخص الرسول في قلب المستمع لهذه السورة , عطفا مصحوبا بالحب وهو يؤمر أن يعلن تجرده من كل شيء في أمر هذه الدعوة إلا البلاغ , والرقابة الإلهية المضروبة حوله وهو يقوم بهذا البلاغ: (قل: إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا. . قل: إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا. . قل: إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا , إلا بلاغا من الله ورسالاته , ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا , حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا. . قل: إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا , عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا , إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا , ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم , وأحاط بما لديهم , وأحصى كل شيء عددا) . .
وذلك كله إلى جانب الإيقاع النفسي للحقائق التي وردت في حكاية قول الجن , وبيانهم الطويل المديد. وهي حقائق ذات ثقل ووزن في الحس والتصور ; والاستجابة لها تغشى الحس بحاله من التدبر والتفكير , تناسب مسحة الحزن ورنة الشجى المتمشية في إيقاع السورة الموسيقي!
وقراءة هذه السورة بشيء من الترتيل الهادئ , توقع في الحس هذا الذي وصفناه من المسحة الغالبة عليها. .