قوله تعالى: {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِبًا (5) }
أن الإنس والجن كانوا لا يكذبون على الله بأن له شريكًا وصاحبة وولدًا، أي كنا نظنهم صادقين حتى سمعنا القرآن. هذا قول المفسرين.
قال ابن قتيبة: يقول: كنا نتوهم أن أحدًا لا يقول على الله باطلاً، يريدون أنا كنا نصدقهم، ونحن نظن أن أحدًا لا يكذب على الله، وانقطع هاهنا قول الجن.
قال الله جل وعز: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ} (فمن فتح"وأنه"حملها على"أوحي"، ومن كسر جعلها مبتدأة من الله تعالى) .
قوله تعالى: {يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ} قال جماعة المفسرين: كان الرجل في الجاهلية إذا سافر فأمسى في قفر من الأرض قال: أعوذ بسيد هذا الوادي، أو بعزيز هذا المكان، من شر سفهاء قومه، فيبيت في جوار منهم حتى يصبح.
وقوله: {فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} قال أبو عبيدة: سفهًا وطغيانًا وظلمًا.
وقال الليث، وغيره: الرهق: جهل في الإنسان، وخِفَّةٌ في عقله. والرَّهَق: غشيان الشيء، وفي فلان رهقٌ يغشى المحارمَ، ومنه قوله تعالى: {وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ} [يونس: 26] - وقد مر -، ورجل مُرَهَّقٌ: يغشاه السُّؤال والضيفان، ومنه قول زهير:
ومُرَهَّق النِّيرانِ يُحْمَدُ في ... اللأْواءِ غيرُ مُلَعَّنِ القِدْرِ
ويقال: رهقتنا الشمس إذا قربت.
ومعنى قول المفسرين يعود إلى هذا، وهو أنهم قالوا في قوله:
(فزادوهم رهقًا) أي إثمًا، وجراءة، وطغيانًا، وخطيئة، وغيًّا، وشرًا، كل هذا من ألفاظهم، والمعنى: أنهم يزدادون بهذا التعوذ طغيانًا، وإثمًا، فيقولون: سدنا الجن والإنس.
ويجوز أن يكون المعنى: زادت الجن والإنس رهقًا، أي ظلمًا، يعني لما تعوذوا (بهم) استذلوهم، واجترؤوا عليهم، فزادوهم ظلمًا، وهذا معنى قول عطاء: خبطوهم، وخنقوهم.
فعلى القول الأول: زادوا من فعل الإنس.