ومن لطائف ونكات التفسير المنسوب للإمام الطبراني:
سورة المزمل
(وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا(8)
{وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} أي انقَطِعْ إلى اللهِ في العبادة، وتأميلِ الخير منه دون غيرهِ. ومِن هذا سُمِّيت فاطمةُ الْبَتُولَ؛ لأنَّها انقطَعت إلى اللهِ تعالى في العبادةِ، والبَتْلُ في اللغة: القطعُ وتَميُّزُ الشيءِ من الشيءِ، ومنه صَدَقَةٌ بَتْلَةٌ؛ أي مُنقَطِعَةٌ من مالِ صاحبها، وطَلْقَةٌ بَتْلَةٌ: قاطعةٌ للزَّوجةِ.
وإنما قال {تَبْتِيلاً} ولم يقل تَبَتُّلاً على معنى تَبَتَّلْ لنَفسِكَ إليه تَبْتِيلاً. وقال ابنُ عبَّاس: (( مَعْنَى {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} أيْ أخْلِصْ إلَيْهِ إخْلاَصاً ) ).
وقال الحسنُ: (( اجْتَهِدِ اجْتِهَاداً ) ). وقال شقيقُ: (( تَوَكَّلْ عَلَيْهِ تَوَكُّلاً) .
وقال زيدُ بن أسلمَ: (( التَّبَتُّلُ: رَفْضُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَالْتِمَاسُ مَا عِنْدَ اللهِ ) ).
(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ...(20)
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ الَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ} ؛ معناهُ: إنَّ ربَّكَ يا مُحَمَّدُ يعلمُ إنَّكَ تقومُ أقَلَّ من ثُلُثَي الليلِ في بعضِ اللَّيالي، وأقلَّ من نصفِ اللَّيلِ في بعضِ اللَّيالي، وأقلَّ من الثُّلث في بعضِها.
قَوْلُهُ تَعَالى: {وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ} ؛ يعني: الْمُؤمِنون كانوا يقُومون معَهُ.
وقال الحسنَ: (( لَمْ يَقُمِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَطُّ أقَلَّ مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ، وَإنَّمَا قَالَ:(أدْنَى) فِي الطَّائِفَةِ الَّذِينَ مَعَهُ ))ولفظهُ (أدْنَى) تُعقَلُ منها القلَّة، لا يقالُ: عندِي دونَ العشرةِ إلاَّ والنُّقصان منها قليلٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ يُقَدِّرُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ} ؛ أي يعلَمُ مقاديرَهما وساعاتِهما على الحقيقةِ، {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ} ؛ أي عَلِمَ أنَّكم لم تعلَمُوا حقيقةَ قدرهما، يعني أنَّكم ما تعرِفُون مقاديرَ اللَّيل والنهار، ولذا لم تعلَمُوا حقيقةَ المقدار الذي أمَرَكم بالقيامِ فيه لم تُطِيقوهُ إلاَّ بمشقَّة، {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} ؛ أي فتجاوزَ عنكم قيامَ الليلِ بالتخفيفِ عنكم. انتهى انتهى {تفسير القرآن العظيم، المنسوب للإمام الطبراني} ...