ومن لطائف ونكات ابن الأثير:
سورة المدثر
{يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) }
وأنشد بعض الأدباء بيتًا لدعبل، وهو:
شفيعك فاشكر في الحوائج إنه يصونك عن مكروهها وهو يخلق.
قلت له: عجز هذا البيت حسن، وأما صدره فقبيح، لأنه سبكه قلقًا نافرًا، وتلك الفاء التي في قوله:"شفيعك فاشكر"كأنها ركبة البعير، وهي في زيادتها كزيادة الكرش.
فقال: لهذه الفاء في كتاب الله أشباه كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} .
فقلت له: بين هذه الفاء وتلك الفاء فرق ظاهر يدرك بالعلم أولًا، وبالذوق ثانيًا.
أما العلم: فإن الفاء في {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} هي الفاء العاطفة، فإنها واردة بعد {قُمْ فَأَنْذِرْ} وهي مثل قولك:"امش فأسرع"، و"قل فأبلغ", وليست الفاء التي في"شفيعك فاشكر"كهذه الفاء؛ لأن تلك زائدة لا موضع لها، ولو جاءت في السورة كما جاءت في قول دعبل - وحاش الله من ذلك - لابتدئ الكلام فقيل: {رَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} ، لكنها جاءت بعد {قُمْ فَأَنْذِرْ} ، حسن ذكرها فيما يأتي بعدها {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} .
وأما الذوق: فإنه ينبو عن الفاء الواردة في قول دعبل ويستثقلها، ولا يوجد ذلك في الفاء الواردة في السورة.
فلمَّا سمع ما ذكرته أذعَنَ بالتسليم.
ومثل هذه الدقائق التي ترد في الكلام نظمًا كان أو نثرًا لا يتفَطَّن لها إلّا الراسخ في علم الفصاحة والبلاغة!
{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) }
واعلم أن الأصل في المعنى أن يحمل على ظاهر لفظه، ومن يذهب إلى التأويل يفتقر إلى دليل، كقوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [سورة المدثر] فالظاهر من لفظ"الثياب"هو ما يلبس، ومن تأوّل ذهب إلى أن المراد هو القلب، لا الملبوس، وهذا لا بُدَّ له من دليل، لأنه عدول عن ظاهر اللفظ. انتهى انتهى {المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، لابن الأثير} ...