سورة المدثر صلى الله عليه وسلم
فأما سبب نزولها، فروى البخاري ومسلم في"صحيحيهما"من حديث جابر بن عبد الله قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"جاورت بِحِرَاء شهراً، فلما قضيت جواري، نزلتُ فاستَبْطَنْتُ بطن الوادي، فنوديتُ، فنظرت أمامي، وخلفي، وعن يميني، وعن شمالي، فلم أر أحداً، ثم نوديتُ فرفعتُ رأسي، فإذا هو في الهواء (يعني: جبريل عليه السلام) فأقبلتُ إِلى خديجة، فقلت دَثِّروني دَثِّروني، فأنزل الله عز وجل {يا أيها المدثر قم فأنذر} "قال المفسرون: فلما رأى جبريل وقع مغشياً عليه، فلما أفاق دخل إلى خديجة، ودعا بماءٍ فصبَّه عليه، وقال: دثِّروني، فدثَّروه بقطيفة، فأتاه جبريل فقال {يا أيها المدِّثر} وقرأ أُبَيُّ بن كعب، وأبو عمران، والأعمش،"المتدثِّر"بإظهار التاء.
وقرأ أبو رجاء، وعكرمة، وابن يعمر،"المدثر"بحذف التاء، وتخفيف الدال.
قال اللغويون: وأصل"المدَّثِّر"المتدثر، فأدغمت التاء، كما ذكرنا في المتَزَمِّل، وهذا في قول الجمهور من التدثير بالثياب.
وقيل: المعنى: يا أيها المدثر بالنبوَّة، وأثقالها، قال عكرمة: دُثِّرْتَ هذا الأمر فقم به.
قوله تعالى: {قم فأنذر} كفارَ مكة العذابَ إن لم يُوحِّدوا {وربَّك فكبِّر} أي: عظِّمه عما يقول عبدة الأوثان {وثيابَك فطهِّر} فيه ثمانية أقوال.
أحدها: لا تلبسها على معصية، ولا على غدر.
قال غيلان بن سلمة الثقفي:
وَإني بِحَمْدِ الله لاَ ثَوْبَ فَاجِرٍ ...
لَبِسْتُ وَلاَ مِنْ غَدْرَةٍ أَتَقَنَّعُ
روى هذا المعنى عكرمة عن ابن عباس.
والثاني: لا تكن ثيابُك من مكسب غير طاهر، روي عن ابن عباس أيضاً.
والثالث: طهر نفسك من الذنب، قاله مجاهد، وقتادة.
ويشهد له قول عنترة:
فَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الأَصَمِّ ثِيَابَهُ ...
لَيْسَ الكَرِيمُ عَلَى القَنَا بِمُحرَّمِ