(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
{فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) }
وَا عجَبا لنَفس تُدعى إِلَى الْهدى فتأبى ثمَّ ترى خطأها بِعَين الْهوى صَوَابا كم أذهبت زَمنا وَكم أفنت شبَابًا وَكم سودت فِي تبييض أغراضها كتابا
(أسْتغْفر الله من نفس طغت وأبت ... أَبَت إِلَى هَذِه الدُّنْيَا فَمَا أتأبت)
(جابت لي الشيب أَوْقَات الشَّبَاب فَمَا ... أجابت النصح لَكِن سَيِّئًا جلبت)
(خانت فخابت وَمَا طابت وَلَا سعدت ... وَكم أرابت ورابت ثمَّ مَا رأبت)
(ودأبها فِي أُمُور غير نافعة ... وَلَو توَافق أمست للنقي دابت)
(هَمت بِخَير فَلم تعزم وريثها ... خطب إِذا هِيَ فِي غير التقى رتبت)
(أما طَرِيق الْمَعَالِي فَهِيَ وَاضِحَة ... لكل طرف سرى عَنهُ الْكرَى لحبت)
(والعالمون جَمِيعًا عالمون بهَا ... على ركائب عَن معروفها نكبت)
(أَلا يسائل أَمْلَاك الورى فطن ... علام جمعت الأجناد واحتربت)
(إِن الَّذِي طلبته لَا يَدُوم لَهَا ... وَلَا مَسَرَّة إِن فازت بِمَاء طلبت)
(ألم يرَوا دوَل الماضين قبلهم ... كَانُوا بِأَحْسَن مَا كَانُوا بهَا ذهبت)
(لَا تفرحوا بهبات من زمانهم ... ستسترد اللَّيَالِي كلما وهبت)
(لَو أعلمت علمنَا الغبراء مَا ركدت ... تَحت الْأَنَام اَوْ الخضراء مَا ثقبت)
(وأم دفر إِذا ميزت حالتها ... كأم صل إِذا مَا عضت انقلبت)
(وَكَيف ترجو صلاحا من خلائقها ... كلما النَّاس فِيهِ من أَذَى جلبت)
لله در أَقوام تأملوا غيبها وَمَا زَالُوا حَتَّى رَأَوْا عيبها نزلُوا من من الدنيا منزلَة الأضياف أخذُوا الزَّاد وَقَالُوا مَا زَاد إِسْرَاف
وقفُوا عِنْد الهموم وَالْمُؤمن وقاف رموا فضول الدُّنْيَا من وَرَاء قَاف
لَو رَأَيْتهمْ فِي الدجى يراعون النُّجُوم وخيل الفكرة قد قطعت حلبات الهموم يَشكونَ جرح الذُّنُوب ويبكون الكلوم أحرقت أحزانهم أجسامهم وَبقيت الرسوم بلغتهم البلغ ورمتك التخم فِي التخوم سَكِرُوا من مُنَاجَاة الْكَرِيم لَا من بَنَات الكروم أَصبَحت عَلَيْهِم آثَار الحبيب وَالطّيب نموم هَذِه سلع الأسحار من يَشْتَرِي من يسوم