فصل فِي أسرار ترتيب سور القرآن
قال الإمام أبو جعفر ابن الزبير:
سورة المزمل
لما كان ذكر إسلام الجن قد أحرز غاية انتهى مرماها، وتم مقصدها
ومبناها، وهي الإعلام باستجابة هؤلاء وحرمان من كان أولى بالاستجابة وأقرب في
ظاهر الأمر إلى الإنابة بعد تقديم وعيدهم وشديد تهديدهم، صرف الكلام إلى
أمره صلى الله عليه وسلم بما يلزمه من وظائف عبادته وما يلزمه في أذكاره من ليله ونهاره مفتتحا ذلك بأجمل مكاملة وألطف مخاطبة"يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ"
تسلية له صلى الله عليه وسلم كما ورد"فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ"
وليحصل منه ألَّا اكتراث بعناد من قدم عناده وكثر لججه، واتبع ذلك بما يشهد لهذا الغرض ويعضده وهو قوله تعالى:، (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا(10) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11)
وهذا عين الوارد في قوله:"فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ"وفي قوله:"نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار" (ق. 45)
ثم قال:"إن لدينا أنكالا"
فذكر ما أعد لهم، وإذا تأملت هذه الآي وجدتها قاطعة بما قدمناه وبان لك التحام ما ذكره، ثم رجع الكلام إلى التلطف به صلى الله عليه وسلم وبأصحابه رضي الله عنهم وأجزل جزاءهم مع وقوع التقصير ممن يصح منه تعظيم المعبود الحق جل جلاله"عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ، إلى قوله:"فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَهُ""
ثم ختم السورة بالاستغفار من كل ما تقدم من عناد الجاحدين المتقدم ذكرهم فيما قبل من السور إلى ما يفي العباد - المستجيبون به مما أشار إليه قوله تعالى: (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) . انتهى انتهى. {البرهان فِي تناسب سور القرآن صـ 349 - 350} .