ومن لطائف ونكات تفسير حدائق الروح والريحان:
سورة الجن
{وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15) }
فإن قيل: الجنّ مخلوقون من النار فكيف يكونون حطبًا لها؟
أجيب: بأنهم وإن خلقوا منها .. لكنهم تغيروا عن تلك الكيفية، فصاروا لحمًا ودمًا، هكذا قيل اهـ خطيب. وأيضًا قويها قد يأكل ضعيفها، فيكون الضعيف حطبًا للقوي.
{وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19) }
فإن قلت: لِمَ قيل: {عَبْدُ اللَّهِ} وهلّا قيل: رسول الله أو النبي؟
قلتُ: لأن تقديره: وأوحي إليَّ أنه لما قام عبد الله، فلما كان واقعًا في كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نفسه جيء به على ما يقتضيه التواضع والتذلل.
{قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (25) }
فإن قيل: أليس قال - صلى الله عليه وسلم -:"بعثت أنا والساعة كهاتين"، فكان عالمًا بقرب قيام الساعة، فكيف قال هاهنا: لا أدري أقريب أم بعيد؟
والجواب: أنّ المراد بقرب وقوعه هو أن ما بقي من الدنيا أقل مما انقضى، فهذا القدر من القرب معلوم، وأما قربه بمعنى كونه بحيث يتوقع في كل ساعة فغير معلوم على أن كل آت قريب، ولذا قال تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} ، وقال: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ} .
والمعنى: أنّ الله سبحانه أمر رسوله أن يقول للناس: إن الساعة آتية لا ريب فيها، ولكن وقتها غير معلوم، ولا يدرى أقريب أم يجعل له ربي أمدًا بعيدًا؟
"وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يُسأل عن الساعة فلا يجيب عنها ولما تبدى له جبريل في صورة أعرابيّ كان فيما سأله أن قال يا محمّد أخبرني عن الساعة قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل؟ ولمّا ناداه ذلك الأعرابيّ بصوت جهوري فقال: يا محمد متى الساعة؟ قال:"ويحك إنّها كائنة فما أعددت لها"قال: أما إني لم أعد لها كثير صلاة ولا صيام، ولكني أحب الله ورسوله، قال - صلى الله عليه وسلم -:"فأنت مع من أحببت"."
قال أنس: فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث.
{عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ... (27) }