(فَصْلٌ: مِنْ رَوَائِعِ النُّكَتِ وَاللطَائِفِ فِي السُّورَةِ الكَرِيمَةِ)
قَالَ الإِمَامُ القَصَّابُ:
سورة نوح
قوله - تعالى، إخبارًا عن نوح عليه السلام -: (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ(4) ،
حجة على المعتزلة والقدرية فيما يزعمون: أن المقتول ميت، بغير أجله، فالأجل المؤجل من الموت لا تقدم فيه، ولا تأخر.
فإن قيل: فما معنى قول النبي، صلى الله عليه وسلم:"صلة الرحم تزيد في الأجل"؟.
قيل: معناه تزيد في الأجل الذي أجل بغير صله الرحم، كأنّه قد
سبق في القضاء أن يوهب لواصلي الأرحام عُمُرًا يكون زيادة في
أعمارهم، كما سبق فيه أنه يهب آدم لداود - عليهما السلام - أربعين
عامًا، من عمره، تكون زيادة في عمر داود، ونقصانًا من عمر
آدم عليهما السلام.
وهو مثل قوله، صلى الله عليه وسلم:"أرأيت ما نعمله من"
الأعمال، أهو في أمر قد فرغ منه،"قيل له: يا رسول الله، ففيم"
العمل؟!، قال"اعملوا فكل ميسر لما خلق له".
فكان القضاء بموهبة آدم لداود كان سابقًا فتيسَّر لما خلق له فزيد في
عمره.
وقد رُوي:"أن الزنا ينقص من العمر"، فهو على ما ذكرناه.
من تقدم القضاء به، وهذا معنى قول الله - عز وجل -: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ) ، فيزاد فيه فضيلة
الرحم، وينقص منه بالزنا، كما أداه الخبر، وبما شاء الله من
الأعمال، التي لم يؤدها الخبر، وكذا قال ابن عباس - رضي الله عنه - حين سُئل عن قول: النبي، صلى الله عليه وسلم:"الدعاء يرد القضاء"فقال: هو من القضاء أن يرد الدعاء القضاء"."
فكل هذه الأشياء منتظمة مؤتلفة، غير مختلفهّ، لا تشكل على أفهام
العلماء بالله، وبأمره ومنهاه سبحانه.
فإن قيل: فما معنى قول النبي، صلى الله عليه وسلم، حين أخبر