[من روائع الأبحاث]
(فصل: من التضمين النحوي في السورة الكريمة)
(وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا(17)
ذكر الزمخشري: يسلكه أي يدخله والأصل يسلكه في عذاب كقوله سبحانه: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) ومثله الرازي، فعدي إلى مفعولين إما بحذف الجار وإيصال الفعل كقوله: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) وإمَّا بتضمينه معنى يدخله. وحكى الجمل: سلك يتعدى للمفعول الثاني بـ (في) وعُدي هنا بنفسه لتضمنه معنى يدخله.
وقال الآلوسي: يسلكه مضمن معنى يُدخله ولذا تعدى إلى المفعول الثاني (عذابا) بنفسه دون (في) أو هو من باب الحذف والإيصال. وفي اللسان: سلك المكان، وأسلكه إياه، وفيه، وعليه. وذكر الملياني: يسلكه تضمن معنى يكلفه.
أقول: تعبير رهيب وصورة من العذاب توحي بالمشقة، والتي تزداد بازدياد صعوده. والرمز للمشقة بالتصعيد جاء في أكثر من سورة، فهي حقيقة ملموسة. ولعل تضمين سلك معنى (أرهق) أوْلى من أدخل أو كلّف أو من باب الحذف والإيصال. التصعيد من أشق السير إرهاقاً يقطع صاحبه الحياة في قلق وكرب وضيق كأنما يصعد في السماء ففي التنزيل: (فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا) . فَذِكرُ اللَّه والاستقامة على منهجه ينال بهما الغنى والوَفر، والإعراض عنهما يسلبه الرخاء والأمن، ويرهقه عذاباً صعداً ومَعيشة ضنكاً، ويبقى للتسليك إيقاعه في تصوير منظر الضُّر الملازم له، والإرهاق المصاحب له. ومن شرف التضمين أن يضم للمعنى المذكور معاني متنوعات، يُطرّزُ أثوابها السياق بمعونة المقام. انتهى انتهى {التضمين النحوي في القرآن الكريم، للدكتور/ محمد نديم فاضل} ...