وَقَالَ ابْنُ فَضَّالٍ المُجَاشِعِي:
وَمِنْ سُورَةِ (الْجِنِّ)
قوله تعالى: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا(3)
الجدُّ هاهنا: العظمة؛ لانقطاع كل عظمة عنها، لعلوها عليها. ومن هذا قيل لأب الأب"جد"،
لانقطاعه. لعلو أبوته. وكل من فوقه لهذا الولد"أجداد".
والجد: الحظ، لانقطاعه بعلو شأنه، والجد: ضرب من السير لانقطاعه عما هو دونه. وأصل الجد:
القطع، والجِدّ: - بالكسر - ضد الهزل؛ لانقطاعه عن السخف. وكذا الجد: الانكماش في الشيء
لانقطاعه عنَ التواني. والجُدُّ - بالضم - البئر القديمة. لانقطاع من يعرف حالها في وقت حفرها، والجُد:
ساحل البحر، ومنه (جُدَّة) سُمي بذلك لأنه آخر الأرض ومنقطعها.
قال الحسن ومجاهد وقتادة (جَدُّ رَبِّنَا) جلاله وعظمته، وروي عن الحسن: غنى رَبِّنَا.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ) ، (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا) ، (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ) ، (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ) بالفتح في الأحرف الأربعة، وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم كذلك، إلا قوله: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ) فإنهما قرأا بكسر الهمزة، وقرأ
الباقون ذلك كله بالفتح إلا ما جاء بعد قولٍ أو فاء جزاء.
فمن فتح حمل على قوله: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ) ، ومن كسر (إِنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ) ، فزعم الفراء: أن حبان حدَّثه عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أوحي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -
بعد اقتصاص أمر الجن وأن المساجد لله، قال: وكان عاصم يكسر ما كان من قول الجن.
ويفتح ما كان من الوحي. لأن ما بعد القول لا يكون إلا مكسورا.
قوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(18) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19)
قال الفراء والزجاج: المساجد: مواضع السجود من الإنسان: الجبهة واليدان والركبتان
والرجلان، وقال الحسن: هي المساجد المعروفة، والمعنى: فلا تدعُ مع الله أحدا كما تدعوا النصارى في
بيعها، والمشركون في بيت أصنامها، وكان يقول: من السنة أن تقول إذا دخلت المسجد: (لا إله إلا الله لا أدعو مع الله أحدا) .
وقوله: (لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ) يراد به: النبي صلى الله عليه. كان إذا قال(لا إله إلا
الله)كادوا يكونون عليه جماعة متكاثفة بعضهم فوق بعض ليزيلوه بذلك عن دعوته بإخلاص الإلهية.
وقال ابن عباسٍ: كاد الجن يركبونه حرصا على سماع القرآن فيه، وهو قول الضحاك. ويروى عن
الحسن وقتادة أنهما قالا: تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه، فيأبي الله إلا أن يظهره على من ناوأه، كما قال تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) . انتهى انتهى {النكت في القرآن الكريم. صـ 474 - 475} .