(فصل آخر: من روائع الأدب العربي)
الأنس بالله في الخلوة
قال الراغب الأصفهاني:
قال عمرو بن عثمان: من كان في خلوته عينا الله على نفسه كفاه الله هم أمره في علانيته.
وقال بنان الحمال: دخلت بادية فاستوحشت فهتف بي هاتف نقضت العهد أليس حبيبك معك.
وقيل: من أنس بغير الله في الخلوة فهو أبدا في وحشة.
(الحثّ على الاشتغال بالله عن النّفس)
قيل لداوود الطائي: لو سرحت لحييك، قال: إن الرجل إذا اشتغل بنفسه نسي الله وإذا اشتغل بالله نسي نفسه.
وقيل لقي داود محمد بن واسع فقال: يا أخي ما لي لا أراك؟ قال:
لأني انقطعت إليه، فقال: الشأن في أن يقبلك فغشي عليه.
وقال الهيثم الهاشمي: ذكر في مجلس أبي عبد الله بن خفيف أن جنيدا قال: لا تصحب من تحتاج أن تكتمه ما يعرف الله منك، فقال: أبو عبد الله أراد جنيد أن يشغل الخلق عن الخلق بالله.
وقال الجنيد: من ذكر الله نسي نفسه ومن ذكر نفسه ذكر الخلق ومن ذكر الخلق فقد هلك.
وقال الشبلي:
يا منية المتمنّي ... شغلتني بك عنّي
عجبت منك ومنّي
ونحو ذلك قيل لأبي يزيد البسطامي أين أبو يزيد؟ فقال: إنا في طلب أبي يزيد منذ عشرين سنة.
وقال رجل لأبي الربيع: أوصني، فقال: إن الله لا يشغله عنك شيء فإن استطعت أن لا يشغلك عنه شيء فافعل.
(فضل إيثار الوحدة والحثّ عليه)
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: أحبّ العباد إلى الله الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإذا شهدوا لم يقربوا، أولئك أمة الهدى ومصابيح الظّلم.
وقال مالك بن دينار لراهب: عظني، فقال: إن استطعت أن تجعل بينك وبين الناس سورا من حديد فافعل.
وقيل لسقراط: ألا تشاهد الملوك؟ فقال: وجدت الانفراد بالخلوة أجمع لدواعي السلوة.
وقيل لآخر: ما تجد في الخلوة؟ قال: الراحة من مداراة الناس والسلامة من شرّهم:
وقالوا لقاء الناس أنس وراحة ... ولو كنت أرضي الناس ما عشت خاليا
وقيل: العزلة توفر العرض وتستر الفاقة، وترفع ثقل المكافأة.
وقيل: ما احتنك أحد قطّ إلا أحبّ الخلوة.
وقيل توحّد ما أمكنك فمن وطئته الأعين وطئته الأرجل.
وقال حكيم: العاقل مستوحش من زمانه منفرد عن إخوانه.
وقيل: استوحش من النّاس كما تستوحش من السبع.
وقال الجنيد دخلت على السري فقلت أوصني فقال: لا تكن مصاحبا للأشرار ولا تشتغل عن الله بمجالسة الأخيار.