الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كُلُّ نَفْسٍ مَأْمُورَةٌ مَنْهِيَّةٌ بِمَا عَمِلَتْ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا، رَهِينَةٌ فِي جَهَنَّمَ
{إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ} فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مُرْتَهَنِينَ، وَلَكِنَّهُمْ {فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ} عَنِ الْمُجْرِمِينَ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}
يَقُولُ: مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِهَا
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: {إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ} قَالَ: لَا يُحَاسَبُونَ
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَصْحَابُ الْيَمِينِ لَا يُرْتَهَنُونُ بِذُنُوبِهِمْ، وَلَكِنْ يَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ؛ وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ: {إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} قَالَ: لَا يُؤَاخِذُهُمُ اللَّهُ بِسَيِّئِ أَعْمَالِهِمْ، وَلَكِنْ يَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ، وَيَتَجَاوَزُ عَنْهُمْ كَمَا وَعَدَهُمْ.
[عَنِ] الضَّحَّاك، قَالَ: كُلُّ نَفْسٍ سَبَقَتْ لَهُ كَلِمَةُ الْعَذَابِ يَرْتَهِنُهُ اللَّهُ فِي النَّارِ، لَا يَرْتَهِنُ اللَّهُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، أَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّهُ قَالَ: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ}
يَقُولُ: لَيْسُوا رَهِينَةً {فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ}
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي أَصْحَابِ الْيَمِينِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمْ أَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ
عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: هُمُ الْوِلْدَانُ
وَقَالَ آخَرُونَ: هُمُ الْمَلَائِكَةُ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: هُمُ الْمَلَائِكَةُ.
وَإِنَّمَا قَالَ مَنْ قَالَ: أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: هُمُ الْوِلْدَانُ وَأَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ؛ وَمَنْ قَالَ: هُمُ الْمَلَائِكَةَ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذُنُوبٌ، وَقَالُوا: لَمْ يَكُونُوا لِيُسْأَلُوا الْمُجْرِمِينَ {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَقْتَرِفُوا فِي الدُّنْيَا مَآثِمَ، وَلَوْ كَانُوا اقْتَرَفُوهَا وَعَرَفُوهَا لَمْ يَكُونُوا لِيَسْأَلُوهُمْ عَمَّا سَلَكَهُمْ فِي سَقَرَ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ دَخَلَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِمَّنْ بَلَغَ التَّكْلِيفَ، وَلَزِمَهُ فَرْضُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَحَدًا لَا يُعَاقَبُ إِلَّا عَلَى الْمَعْصِيَةِ.