(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
{كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (21) }
إخواني: الدُّنْيَا غرارة غدارة خداعة مكارة تظن مُقِيمَة وَهِي سيارة وَمُصَالَحَة وَقد شنت الْغَارة
(نح نفسا عَن الْقَبِيح وصنها ... وتوق الدُّنْيَا وَلَا تأمننها)
(لَا تثق بالدني فَمَا أبقت الدُّنْيَا ... لحى وَدِيعَة لم تخنها)
(إِنَّمَا جِئْتهَا لتستقبل الْمَوْت ... واسكنتها لتخرج عَنْهَا)
(ستخلى الدُّنْيَا وَمَا لَك إِلَّا ... مَا تبلغت أَو تزودت مِنْهَا)
(وسيبقى الحَدِيث بعْدك فَانْظُر ... خير أحدوثة تكون فكنها)
كَأَنَّك بِالْمَوْتِ وَقد خطف ثمَّ عَاد إِلَى الْبَاقِي وَعطف
تنبه لنَفسك يَا ابْن النطف فقد حَاذَى الرَّامِي الهدف
إِلَى كم تسير فِي سرف لَيْت هَذَا الْعَزْم وقف
تُؤخر الصلاة ثمَّ تسيئها كالبرق إِذا خطف أتجمع سوء كيلة مَعَ حشف؟!!
الْجَسَد أَتَى وَالْقلب انْصَرف يَا من بَاعَ الدّرّ وَاشْترى الخزف أبسط بِسَاط الْحزن على رماد الأسف عَلَيْك حَافظ وصابط لَيْسَ بناس وَلَا غالط يكْتب الْأَلْفَاظ السواقط وَأَنت فِي ليل الظلام خابط
يَا من شَاب إِلَى كم تغالط ابك مَا مضى وَيَكْفِي الفارط مَا للعيون قد أخلفت أنواؤها وَكثر نظرها إِلَى الْحَرَام فَقل بكاؤها مَا للقلوب الْمَرِيضَة قد عز شفاؤها سأكتب ضَمَان الآمال وَأَيْنَ وفاؤها آهٍ لأمراض نفوس قد يئس طبيبها ولأصوات مواعظ قد خرس مجيبها هبت وَالله دبور الذُّنُوب فَتركت الْأَجْسَام بِلَا قُلُوب
أَيْن الْفَهم والتأمل إِن لم يكن جميل فَلْيَكُن تجمل
إخواني قد دنا الترحل لَا بُد وشيكا من التَّحَوُّل
رقيبكم يَا غافلين لَا يغْفل أتذكرون الذُّنُوب بِلَا تململ
يَا من يعد بِالتَّوْبَةِ كم تمطل يَا ملازما للهوى كم تعدل الْمعاصِي سم والقليل مِنْهُ يقتل
يَا هَذَا الدُّنْيَا وَرَاءَك وَالْأُخْرَى أمامك والطلب لما وَرَاءَك هزيمَة إِنَّمَا يعجب بالدنيا من لَا فهم لَهُ كَمَا أَن أضغاث الأحلام تسر النَّائِم لعب الخيال يحسبها الطِّفْل حَقِيقَة فَأَما الْعقل فَيعلم مَا وَرَاء السّتْر
(رَأَيْت خيال الظل أكبر عِبْرَة ... لمن هُوَ فِي علم الْحَقِيقَة راق)
(شخوص وأشباح تمر وتنقضي ... جَمِيعًا وتفنى والمحرك بَاقٍ)