ومن لطائف ونكات تفسير القرطبي:
سُورَةُ الْقِيَامَةِ
(لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ(1) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ)
قِيلَ: إِنَّ (لَا) صِلَةٌ، وَجَازَ وُقُوعُهَا فِي أَوَّلِ السُّورَةِ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَهُوَ فِي حُكْمِ كَلَامٍ وَاحِدٍ، وَلِهَذَا قَدْ يُذْكَرُ الشَّيْءُ فِي سُورَةٍ وَيَجِيءُ جَوَابُهُ فِي سُورَةٍ أُخْرَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَقالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) [الحجر: 6] .
وَجَوَابُهُ فِي سُورَةٍ أُخْرَى: (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) [القلم: 2] .
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
تَذَكَّرْتُ لَيْلَى فَاعْتَرَتْنِي صَبَابَةٌ ... فَكَادَ صَمِيمُ القلب لا يتقطع
وَحَكَى أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ: أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ مَعْنَى (لَا أُقْسِمُ) أُقْسِمُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ (لَا) قَالَ بَعْضُهُمْ: (لَا) زِيَادَةٌ فِي الْكَلَامِ لِلزِّينَةِ، وَيَجْرِي فِي كَلَامِ الْعَرَبِ زِيَادَةُ (لَا) كما قال في آية أخرى: (قالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ) [ص: 75] .
يَعْنِي أَنْ تَسْجُدَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: (لَا) رَدٌّ لِكَلَامِهِمْ حَيْثُ أَنْكَرُوا الْبَعْثَ، فَقَالَ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمْتُمْ.