[من روائع الأبحاث]
ومن فوائد ولطائف ابن القيم:
(فصل)
ومن ذلك قوله {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}
فقد تضمن الإقسام ثبوت الجزاء ومستحق الجزاء وذلك يتضمن إثبات الرسالة والقرآن والمعاد وهو سبحانه يقسم على هذه الأمور الثلاثة ويقررها أبلغ التقرير لحاجة النفوس إلى معرفتهما والإيمان بها وأمر رسوله أن يقسم عليها كما قال تعالى {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقّ} وقال تعالى {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ}
وقال تعالى {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}
فهذه ثلاثة مواضع لا رابع لها يأمر نبيه أن يقسم على ما أقسم عليه هو سبحانه من النبوة والقرآن والمعاد
فأقسم سبحانه لعباده وأمر أصدق خلقه أن يقسم لهم وأقام البراهين القطعية على ثبوت ما أقسم عليه فأبى الظالمون إلا جحودا وتكذيبا
واختلف في النفس المقسم بها هاهنا هل هي خاصة أو عامة على قولين بناء على الأقوال الثلاثة في اللوامة
فقال ابن عباس كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة يلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا، ويلوم المسيء نفسه أن لا يكون رجع عن إساءته.
واختاره الفراء قال ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها إن كانت عملت خيراً قالت هلا ازددت خيراً.
وإن كانت عملت سوءا قالت يا ليتني لم أفعل.
والقول الثاني أنها خاصة.
قال الحسن هي النفس المؤمنة، وأن المؤمن والله لا تراه إلا يلوم نفسه على كل حالة، لأنه يستقصرها في كل ما تفعل فيندم ويلوم نفسه.
وإن الفاجر يمضي قدماً لا يعاتب نفسه.
والقول الثالث أنها النفس الكافرة وحدها. قاله قتادة ومقاتل.
وهي النفس الكافرة تلوم نفسها في الآخرة على ما فرطت في أمر الله
قال شيخا والأظهر أن المراد نفس الإنسان مطلقاً فإن نفس كل إنسان لوامة كما أقسم بجنس النفس في قوله {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}
فإنه لا بد لكل إنسان أن يلوم نفسه أو غيره على أمره ثم هذا اللوم قد يكون محمودا وقد يكون مذموما كما قال تعالى {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ}