وقال الإمام أبو البقاء العكبري:
سورة القيامة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قَالَ تَعَالَى: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ(1 ) ) .
فِي (لَا) وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ زَائِدَةٌ، كَمَا زِيدَتْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (لِئَلَّا يَعْلَمَ) [سُورَةُ الْحَدِيدِ: 29] .
وَالثَّانِي: لَيْسَتْ زَائِدَةً، وَفِي الْمَعْنَى وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: هِيَ نَفْيٌ لِلْقَسَمِ بِهَا كَمَا نُفِيَ الْقَسَمُ بِالنَّفْسِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ «لَا» رَدٌّ لِكَلَامٍ مُقَدَّرٍ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: أَنْتَ مُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ فِي قَوْلِكَ: نَبْعَثُ؛ فَقَالَ لَا، ثُمَّ ابْتَدَأَ؛ فَقَالَ: أُقْسِمُ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الشِّعْرِ، فَإِنَّ وَاوَ الْعَطْفِ تَأْتِي فِي مَبَادِئِ الْقَصَائِدِ كَثِيرًا، يُقَدَّرُ هُنَاكَ كَلَامٌ يُعْطَفُ عَلَيْهِ. وَقُرِئَ: «لَأُقْسِمُ» . وَفِي الْكَلَامِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ لَامُ التَّوْكِيدِ دَخَلَتْ عَلَى الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ) [سُورَةُ النَّحْلِ: 124] ، وَلَيْسَتْ لَامَ الْقَسَمِ.
وَالثَّانِي: هِيَ لَامُ الْقَسَمِ، وَلَمْ تَصْحَبْهَا النُّونُ اعْتِمَادًا عَلَى الْمَعْنَى؛ وَلِأَنَّ خَبَرَ اللَّهِ صِدْقٌ؛ فَجَازَ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ غَيْرِ تَوْكِيدٍ.
وَقِيلَ: شُبِّهَتِ الْجُمْلَةُ الْفِعْلِيَّةُ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ...) [سُورَةُ الْحِجْرِ: 72] .
قَالَ تَعَالَى: (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ(4) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6 ) ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَادِرِينَ) أَيْ بَلَى نَجْمَعُهَا؛ فَقَادِرِينَ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ.
وَ (أَمَامَهُ) : ظَرْفٌ؛ أَيْ لِيَكْفُرَ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ. وَ (يَسْأَلُ) : تَفْسِيرٌ لِيَفْجُرَ.
قَالَ تَعَالَى: (إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ(12 ) ) .