ومن لطائف ونكات تفسير حدائق الروح والريحان:
سورة المدثر
{لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) }
فإن قلت: لا يمكن وصفها بتسويد البشرة مع قوله: {لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) } .
قلت: ليس في الآية دلالة على أنها تفني بالكلية مع أنه يجوز أن يكون الإفناء بعد التسويد. وقيل: لامحة للناس على أنّ {لَوَّاحَةٌ} بتاء مبالغة من لاح يلوح؛ أي: ظهر، وأن البشر بمعنى الناس.
قيل: إنها تلوح للبشر من مسيرة خمس مائة عام، فهو كقوله تعالى: {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) } . فيصل إلى الكافر سمومها وحرورها، كما يصل إلى المؤمن ريح الجنة نسيمها من مسيرة خمس مائة عام.
{وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا ... (31) }
؛ أي: شك أو نفاق، فإن كلًّا منهما من الأمراض الباطنة، فيكون إخبارًا بما سيكون في المدينة بعد الهجرة، إذ الاتّفاق إنما حدث بالمدينة، وكان أهل مكة إما مؤمنًا حقًا وإما مكذّبًا وإمّا شاكًّا. {وَالْكَافِرُونَ} المصرّون على التكذيب من أهل مكة وغيرهم.
فإن قلت: كيف يجوز أن يكون قولهم هذا مقصودًا لله تعالى؟
قلت: اللام ليست على حقيقتها بل للعاقبة، فلا إشكال.
{مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) }
فإن قلت: لِمَ يسألونهم وهم عالمون بذلك؟
قلت: توبيخًا لهم وتحسيرًا ولتكون حكاية الله سبحانه ذلك في كتابه تذكرة للسامعين.
{قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) }
فإن قلت: أيريدون أن كل واحد منهم بمجموع هذه الأربع دخل النار أم دخلها بعضهم بهذه وبعضهم بهذه؟
قلت: يحتمل الأمران جميعًا كما في"الكشاف". انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان، لمحمد الأمين الهرري} ...