وَقَالَ ابْنُ فَضَّالٍ المُجَاشِعِي:
وَمِنْ سُورَةِ (الْمُزَّمِّلِ)
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ(1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3)
الْمُزَّمِّلُ: المتلفف في ثيابه، وكان النبي صلى الله عليه إذا أُنزل عليه الوحي أخذته شدة وكرب،
فيقول: زملوني زملوني، وكذلك (المدثر) لأنه كان يقول مرة: دثروني دثروني.
قال الفراء: الْمُزَّمِّلُ: الذي تزمَّل في ثيابه وتهيأ للصلاة في هذا الموضع. وهو النبي صلى الله عليه وسلم، وأصل الْمُزَّمِّل: المتزمل، فأبدلت من التاء زايًا وأسكنت وأدغمت في التي بعدها، وقيل:
الْمُزَّمِّل، ويقال: تزمَّل الرجل في ثيابه أي: تلفف. قال امرؤ القيس:
كأن أُبَانَا في أفَايخاوَذقِهِ كبيرُ أُناسبي بجاد مُزملِ
كأَنَّ أَبَاناً فِي أَفَانِينِ وَدْقِهِ ... كبيرُ أُناسٍ فِي بِجَادٍ مُزَمَّلِ
ويُسْأَل عن نصب قوله: (نصفَه) ؟
والجواب: أنه يدل من الليل، وهو بدل بعضٍ من كل، كأنه في التقدير: قم نصف الليل إلا قليلا،
وهو بمنزلة قولك: قطعت اللصَّ يدَه، وأكلت الرغيف ثلثيه.
قوله تعالى: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا(11)
قوله (وَالْمُكَذِّبِينَ) مفعول معه. أي: مع المكذبين، كما تقول: تركته والأسدَ، أي: مع الأسد،
والمعنى: ارضى بعتاب المكذبين، أي: لست تحتاج إلى أكثر من ذلك. كما تقول: دعني وإياه فإنه
يكفيك ما ينزل به مني. وهو تهديد.
قوله تعالى: (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى)
(أنْ) هاهنا مخففة من المثقلة. و (الهاء) مضمرة معها، والتقدير: أنه سيكون منكم مرضى،
و (مرضى) اسم (يكون) و (منكم) الخبر، والجملة خبر (أن) ، ولا يلي الفعل (أنْ)
المخففة إلا مع العوض، والعوض نحو: السين هاهنا، ونحو (لا) من قوله: (أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا) .
قوله تعالى: (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا)
(هو) فصل، وهو الذي يسميه الكوفيون عمادا، ونصب (خَيْرًا) لأنه مفعول ثانٍ
لـ (تَجِدُوهُ) ، والفصل يدخل بين كل معرفتين لا يستغني أحدهما عن الآخر، أو بين معرفة ونكرة تقارب
المعرفة، نحو قولك: زيد هو خيرٌ منك، وكان عمرو هو أفضل من بكر، والمواضع التي يدخل فيها الفصلُ أربعة:
يدخل بين المبتدأ والخبر، وبين اسم كان وخبرها. وبين اسم (إن) وخبرها، وبين مفعولي الظن. انتهى انتهى {النكت في القرآن الكريم. صـ 476 - 478} .