سورة المدثر
وهي مكية. وفيها موضع واحد وهو:
(4) - (7) - قوله تعالى: {وثيابك فطهر * والرجز فاهجر * ولا تمنن تستكثر * ولربك فاصبر} :
اختلف في معنى قوله تعالى: {وثيابك فطهر} فقيل هو أمر بتطهير الثياب حقيقة، قاله ابن زياد وابن سيرين والشافعي وغيرهم. واستدل الشافعي بهذه الآية على إيجاب غسل النجاسات من الثوب ورد به قول مالك وأصحابه وأهل المدينة أن ذلك ليس بواجب. وفي المذهب قولان: أحدهما: إزالة النجاسة للصلاة فرض. والثاني: أنها سنة. ودليل مالك ومن تابعه على أنها سنة الإجماع على جواز الصلاة والاستجمار من غير غسل. قال الباجي: والدليل على وجوب الإزالة قوله تعالى: {وثيابك فطهر} ولا خلاف أنه ليس هنا طهارة واجبة للثياب غير طهارة النجاسة. فإن قيل إن الثياب هنا القلب بدليل أن هذه الآية أول ما نزل من القرآن قبل الأمر بالصلاة والوضوء، وإزالة النجاسة إنما هو لأجل الصلاة، فالجواب أن الثياب أظهر في القياس فيجب أن يحمل عليه فيجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم خص بذلك في أول الإسلام وفرض عليه ودون أمته. ثم ورد الأمر بذلك لأمته. وجواب ثان: وهو أن شرع من قبلنا شرع لنا فيحتمل أن يكون قد اتسع في الصلاة شرع من قبلنا من النبيين فوجب بذلك اتباعهم وتأخر الأمر
به بنص شرعنا عن ذلك الوقت، فلا يمتنع أن يكون قد أمر على الوجهين بتطهير الثياب للصلاة في أول الأمر ثم ورد عليه بعد ذلك نص بالأمر بالصلاة. وقيل تطهير الثياب هنا استعارة لتنقية الأفعال والنفس والعرض كما تقول: فلان طاهر الثوب، وهو قول الجمهور. وقال طاووس المعنى: قصر ثيابك وشمرها فإن لك طهرة للثياب. وهذا يأتي على قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه ما أسفل من ذلك ففي النار ) ). وقوله: (( لا ينظر الله تعالى يوم القيامة إلى من يجر إزاره بترًا ) )ونهيه عن إسبال الإزار، والأحاديث في مثل هذا كثيرة. وقيل معناه: وقلبك فطهر فكنى بالثياب عن القلب.
قوله تعالى: {والرجز فاهجر} اختلف في معناه. فقيل يعني الأوثان، قاله مجاهد وعكرمة ورفعه جابر إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل يعني الإثم، قاله النخعي. وقيل يعني أسافًا ونائلة، قاله قتادة فيما ذكر المهدوي عنه. وقيل يعني العذاب أي عمل الرجز والهجر محذوف المضاف قاله ابن عباس وقيل يعني النتن والنقائص وفجور الكفار ونحوه، قاله قتادة فيما ذكره بعض المفسرين عنه. قال ومن قرأ بالضم فهما الصنمان أسافًا ونائلة. وقيل كل معصية رجز.
وقوله تعالى: {ولا تمنن تستكثر} :
اختلف في معناه: فقال ابن عباس وغيره معناه لا تعط عطاء لتعطي أكثر منه فهو من قولهم منَّ إذا أعطى. قال الضحاك وهو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ومباح لأمته. قال مكي وهذا معنى قوله تعالى: وما آتيتم من ربا ليربوا
في أموال الناس فلا يربوا عند الله [الروم: 39] . وقال ابن عباس أيضًا فيما وري عنه معناه: لا تقل دعوت فلم أجب. وقال قتادة معناه: لا تدل بعملك. ففيه تحريض على الجد وتخويف. وقال ابن زيد: معناه لا تمنن على الناس بنبوتك ولا تستكثر أجرًا أو كسبًا تطلبه منهم. وقال مجاهد معناه: ولا تضعف، ومن قولهم حبل متين أي ضعيف. أي لا تضعف وتستكثر ما حملناك من أعباء الرسالة أو تستكثر من الخير. وقال الحسن بن أبي الحسن معناه: ولا تمنن على الله بجدك تستكثر أعمالك ويقع لك بها إعجاب فهذا من المن الذي هو ذكر اليد وتعديدها.
وقوله تعالى: {ولربك فاصبر} :
اختلف في معناه. فقال النخعي معناه: إذا عملت عملًا صالحًا فاصبر حتى تثاب عليه. وعن أيضًا اصبر على عطيتك لا تعطيها لتأخذ أكثر منها. وقال مجاهد المعنى اصبر على ما أوذيت به، يعني ما لقيه من قومه ومن اليهود. وقيل المعنى اصبر لوجه ربك واطلب رضاه كما تقول فعلت ذلك لله عز وجل. والله تعالى أعلم. انتهى انتهى {أحكام القرآن، لابن الفرس الأندلسي. 3/} ...