فصل فِي مَعانِى السُّورةِ كامِلةً
قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني:
سورة المدثر
مكيّة.
وهي ست وخمسون آية في غير عدد أهل الشّام [وأهل مكّة] والمدنيّ الأخير.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
1 -عن أبي سلمة قال: سألت جابرا: أيّ القرآن أنزل أوّلا؟ قال: {يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ،} ثمّ أيّة آية؟ قال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق:1] ، ثمّ قال: ألا أخبرك بما حدّثنا به رسول الله عليه السّلام؟ قال: «كنت في حراء، فلمّا هبطت نوديت، فنظرت أمامي وخلفي، وعن يميني وعن شمالي فلم أر شيئا...» إلى أن قال: «فأتيت خديجة فقلت: دثّروني وصبّوا عليّ ماء باردا، فأنزل: {يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ» } .
و (التّدثير) : استغشاء الدّثار، والدّثار من الثّياب ما فوق الشّعار.
4 -وسئل ابن عبّاس عن قوله: {وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ؟} قال: لا تلبسها على غدرة ولا فجور؟ وقيل: هو أمر بقطع القلب عن العلائق. وقيل: أمر بتنقية النّفس. وقيل: أمر بتطهير الكسوة من النّجاسات الشّرعية. وقيل: أمر بتهذيب الأخلاق.
ويجوز أن يكون أمرا بهذه المعاني كلّها، تقديره: كلّ ما يعبّر عنه بلفظ الثّياب؛ لأنّ كلّ
واحدة من هذه العبادات حقيقة في موضعها كالأخ.
5 - {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ:} على اجتناب أعيان النّجاسة بحكم الشّريعة، وعلى اجتناب الأصنام والآثام بحكم الحقيقية.
6 - {وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ:} لا تعط عطيّة وهي كثيرة في عينك معجبة إيّاك. وقيل:
لا تعط عطيّة تبتغي عليها كثرة الجزاء.
7 -وعن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} يقول: اصبر نفسك في طاعة ربّك.
8 - {فَإِذا نُقِرَ:} قال أحمد بن فارس: النّقران تصوب بلسانك حتى تلصقه بحنكك.
وقال: صاحب الدّيوان: نقر به إذا صفّر.
و {النّاقُورِ:} الصّور ينفخ فيه الملك بأمر الله عزّ وجلّ.
وعن عون بن ذكوان: صلّى بنا زرارة بن أوفى صلاة الصّبح وقرأ: {يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر:1] ، فلمّا بلغ {فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ} خرّ ميّتا.