الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ} أَيُّهَا النَّاسُ {رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ} بِإِجَابَةِ مَنْ أَجَابَ مِنْكُمْ دَعْوَتِي، وَامْتِنَاعِ مَنِ امْتَنَعَ مِنْكُمْ مِنَ الْإِجَابَةِ، يَوْمَ تَلْقَوْنِي فِي الْقِيَامَةِ.
{كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا}
يَقُولُ: مِثْلُ إِرْسَالِنَا مِنْ قَبْلَكُمْ إِلَى فِرْعَوْنَ مِصْرَ رَسُولًا بِدُعَائِهِ إِلَى الْحَقِّ، {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} الَّذِي أَرْسَلْنَاهُ إِلَيْهِ.
{فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا}
يَقُولُ: فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا شَدِيدًا، فَأَهْلَكْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا؛ وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: كَلَأٌ مُسْتَوْبَلٌ، إِذَا كَانَ لَا يُسْتَمْرَأُ، وَكَذَلِكَ الطَّعَامُ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْوَبِيلُ: الشَّرُّ؛ وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِمَنْ تَتَابَعَ عَلَيْهِ الشَّرُّ: لَقَدْ أُوبِلَ عَلَيْهِ، وَتَقُولُ: أَوْبَلْتَ عَلَى شَرِّكَ؛ قَالَ: وَلَمْ يَرْضَ اللَّهُ بِأَنْ غَرِقَ وَعُذِّبَ حَتَّى أَقَرَّ فِي عَذَابٍ مُسْتَقَرٍّ حَتَّى يُبْعَثُ إِلَى النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرِيدُ فِرْعَوْنَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ: فَكَيْفَ تَخَافُونَ أَيُّهَا النَّاسُ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا إِنْ كَفَرْتُمْ بِاللَّهِ، وَلَمْ تُصَدِّقُوا بِهِ.
وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
عَنْ قَتَادَةَ، يَقُولُ: كَيْفَ تَتَّقُونَ يَوْمًا وَأَنْتُمْ قَدْ كَفَرْتُمْ بِهِ وَلَا تُصَدِّقُونَ بِهِ.
عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَتَّقِي مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ
وَقَوْلُهُ: {يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا}
يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّمَا تَشِيبُ الْوِلْدَانُ مِنْ شِدَّةِ هَوْلِهِ وَكَرْبِهِ.