قوله - جلَّ جلالُه: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ(1) .
أدغمت التاء في الزاي، وفي حرف ابن مسعود:"يا أيها المتزمل والمتدثر"وهو الذي تزيل بثيابه وتدثر، والدثار من
الثياب: ما لبس فوق الشعار.
(قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا(2) . يعني، وهو أعلم: ثلي الليل؛ يعني: حين
يبقى ثلثا الليل، يدل على صحة هذا التأويل قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ينزل ربنا تبارك"
وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا في ثلثي الليل ..."وفي أخرى:"شطر الليل""
وفي أخرى:"حتى يبقى من الليل ثلثه".
قال قائلون: إن هذا قبل أن تفرض الصلاة، ولما فرضت صار قام الليل نافلة،
وإنما فرضت الصلاة بمكة ونزول هذه السورة كان بالمدينة.
قالت عائشة - رضي الله عنها: فرض الله على رسوله قيام الليل وعلى أصحابه
معه، كيف والله - جلَّ جلالُه - يقول له:"هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي".
وإنما ذلك، والله أعلم، أن الله - جلَّ ذكره - رَغَّبَ رسوله والمؤمنين على
لسان الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قيام الليل، ليجعل ذلك للمؤمنين من المعهود والمتعارف من
القرب ونحو هذا، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حولاً كاملاً وأصحابه معه، وكانت الأوراد
آخر الليل من ثلثي الليل ونصفه وثلثه، قالت عائشة:"وأمسك الله في السماء"
خاتمتها حولاً كاملاً، ثم أنزل قوله: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ) إلى آخر السورة"."
قالت: وجعل الأوراد أجزاء من القرآن بقوله:(عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)أي: المفروضة (وَآتُوا الزَّكَاةَ) المكتوبة
(وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) أي: من نوافل الخيرات(وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ
تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ)أي: في الأسحار ثم في سائر
الأوقات (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) . انتهى انتهى {تفسير ابن برجان. 5/ 399 - 401} ...