(فصل: في طهارة القلب من أدرانه ونجاساته)
قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) }
وقال تعالى: {أُولئِكَ الّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ في الدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ في الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 41] .
وجمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم على أن المراد بالثياب هاهنا القلب، والمراد بالطهارة إصلاح الأعمال والأخلاق.
قال الواحدي: اختلف المفسرون في معناه، فروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال"يعني من الإثم، ومما كانت الجاهلية تجيزه"وهذا قول قتادة ومجاهد، قالا:"نفسك فطهرها من الذنب"ونحوه قول الشعبي وإبراهيم والضحاك والزهري. وعلى هذا القول:"الثياب"عبارة عن النفس، والعرب تكنى بالثياب عن النفس ومنه قول الشماخ:
رَمَوْهَا بِأَثْوَابٍ خِفَافٍ، فَلا تَرَى ... لَها شَبهًا إلا النَّعَامَ المُنَفرَا
رموها يعني الركاب بأبدانهم. وقال عنترة:
فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الأَصَمِّ ثِياَبَهُ ... لَيْسَ الْكَرِيمُ عَلَى الْقَنَى بِمُحَرَّمِ
يعني نفسه.
وقال في رواية الكلبي: يعني لا تغدر، فتكون غادرا دنس الثياب.
وقال سعيد بن جبير:"كان الرجل إذا كان غادرا قيل: دنس الثياب، وخبيث الثياب"
وقال عكرمة:"لا تلبس ثوبك على معصية، ولا على فُجْرة"
وروى ذلك عن ابن عباس، واحتج بقول الشاعر:
وَإنِّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ غَادِرٍ ... لَبِسْتُ، وَلا مِنْ خِزْيَةٍ أَتَقَنَّعُ
وهذا المعنى أراد من قال في هذه الآية"وعملك فأصلح"
وهو قول أبي رزين ورواية منصور عن مجاهد وأبي رَوْق.
وقال السُّدى: يقال للرجل إذا كان صالحا: إنه لطاهر الثياب، وإذا كان فاجراً: إنه لخبيث الثياب. قال الشاعر:
لا هُمَّ إنَّ عَامِرَ بْنَ جَهْمِ ... أوْ ذَمَ حَجا في ثِيابٍ دُسْمِ
يعني أنه متدنس بالخطايا، وكما وصفوا الغادر الفاجر بدنس الثوب وصفوا الصالح بطهارة الثوب، قال امرؤ القيس:
ثِيابُ بِنى عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ
يريد أنهم لا يغدرون، بل يفون.
وقال الحسن:"خُلقُك فحسنه"
وهذا قول القرطبي، وعلى هذا: الثياب عبارة عن الخلق؛ لأن خلق الإنسان يشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه.
وروى العوفي عن ابن عباس في هذه الآية"لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طيب"