(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
{لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) }
قال المفسرون: (لا) زائدة. والمعنى: أقسم. وقال بعضهم: {لا} رَدٌّ عَلَى مُنْكِرِ الْبَعْثِ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: زيدت"لا"عَلَى نِيَّةِ الرَّدِّ عَلَى الْمُكَذِّبِينَ, كَمَا تَقُولُ: لا وَاللَّهِ مَا ذَاكَ كَمَا تَقُولُ.
{وَلا أقسم بالنفس اللوامة} فِيهَا ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا الَّتِي تَلُومُ نَفْسَهَا حِينَ لا يَنْفَعُهَا اللَّوْمُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا نَفْسُ الْمُؤْمِنِ الَّتِي تَلُومُهُ فِي الدُّنْيَا عَلَى تَقْصِيرِهِ. قَالَهُ الْحَسَنُ. فَعَلَى هَذَا تَكُونُ مَمْدُوحَةً.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا جَمِيعُ النُّفُوسِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ بَرَّةٍ وَلا فاجرة إلا
وَهِيَ تَلُومُ نَفْسَهَا, إِنْ كَانَتْ عَمِلَتْ خَيْرًا قَالَتْ: هَلا زِدْتُ. أَوْ شَرًّا قَالَتْ: لَيْتَنِي لَمْ أَفْعَلْ.
وَجَوَابُ الْقَسَمِ مَحْذُوفٌ, تَقْدِيرُهُ: لَتُبْعَثَنَّ, يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: {أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ لَنْ نجمع عظامه} والمراد به الكافر.
{بلى قادرين} المعنى: بل نجمعها قادرين {على أن نسوي بنانه}
وَالْبَنَانُ: أَطْرَافُ الأَصَابِعِ.
وَفِي الْمَعْنَى قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ نَجْعَلَ أَصَابِعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ شَيْئًا وَاحِدًا كَحَافِرِ الْحِمَارِ وَخُفِّ الْبَعِيرِ فَيَعْدَمَ الإِرْفَاقَ بِالأَعْمَالِ اللَّطِيفَةِ, كَالْكِتَابَةِ وَالْخِيَاطَةِ. هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَالثَّانِي: نَقْدِرُ عَلَى تَسْوِيَةِ بَنَانِهِ كَمَا كَانَتْ وَإِنْ صَغِرَتْ عِظَامُهَا, وَمَنْ قَدَرَ عَلَى جَمْعِ صِغَارِ الْعِظَامِ كَانَ عَلَى جَمْعِ كِبَارِهَا أَقْدَرُ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ وَالزَّجَّاجِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {بَلْ يريد الإنسان ليفجر أمامه} فِيهِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: يَكْذِبُ بِمَا أَمَامَهُ مِنَ البعث والحساب. قاله ابن ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: يُقَدِّمُ الذَّنْبَ وَيُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ وَيَقُولُ: سَوْفَ أَتُوبُ. قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. فَعَلَى هَذَا يُرَادُ بِالإِنْسَانِ الْمُسْلِمِ وَعَلَى الأَوَّلِ الْكَافِرِ.