الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَظُنُّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يُعَاقَبُونَ عَلَى شِرْكِهِمْ وَمَعْصِيَتِهِمْ رَبَّهُمْ بَلْ إِذَا بَلَغَتْ نَفْسُ أَحَدِهِمُ التَّرَاقِيَ عِنْدَ مَمَاتِهِ وَحَشْرَجَ بِهَا.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ: {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ} قَالَ: التَّرَاقِي: نَفْسُهُ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ أَهْلُهُ: مَنْ ذَا يَرْقِيهِ لِيَشْفِيَهُ مِمَّا قَدْ نَزَلَ بِهِ، وَطَلَبُوا لَهُ الْأَطِبَّاءَ وَالْمُدَاوِينَ، فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ الَّذِي قَدْ نَزَلَ بِهِ شَيْئًا
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {مِنْ رَاقٍ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَحْوَ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ
عَنْ قَتَادَةَ، {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} أَيِ الْتَمِسُوا لَهُ الْأَطِبَّاءَ فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ شَيْئًا
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هَذَا مِنْ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَنْ يَرْقَى بِنَفْسِهِ فَيَصْعَدُ بِهَا
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِذَا بَلَغَتْ نَفْسُهُ يَرْقَى رَبُّهَا، قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: مَنْ يَصْعَدُ بِهَا، مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، أَوْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ؟
وَقَوْلُهُ: {وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَيْقَنَ الَّذِي قَدْ نَزَلَ ذَلِكَ بِهِ أَنَّهُ فِرَاقُ الدُّنْيَا وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَدْفَعُ الْمَوْتَ، وَلَا يُنْكِرهُ، وَلَكِنْ لَا يَدْرِي يَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ؟ فَالظَّنُّ كَمَا هَاهُنَا هَذَا.
وَقَوْلُهُ: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَالْتَفَّتِ شِدَّةُ أَمْرِ الدُّنْيَا بِشِدَّةِ أَمْرِ الْآخِرَةِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ}
يَقُولُ: آخِرُ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَوَّلُ يَوْمٍ مِنَ الْآخِرَةِ، فَتَلْتَقِي الشِّدَّةُ بِالشِّدَّةِ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ